أنشئت مكاتب التحقيق في الجامعات لحماية القانون، لا لإثارة الخوف، ولتحقيق العدالة، لا للوصول إلى الإدانة بأي ثمن. فهي تمثل إحدى أهم ضمانات النزاهة داخل المؤسسة الجامعية، ولا تؤدي رسالتها إلا إذا التزمت بالحياد والموضوعية واحترام حقوق الدفاع.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التحقيق من وسيلة لكشف الحقيقة إلى وسيلة للبحث عن الإدانة. فعندما يدخل المحقق جلسة التحقيق وهو يحمل قناعة مسبقة، يصبح المتهم مدانًا في نظره قبل أن ينطق بكلمة، وتتحول جلسة التحقيق إلى إجراء شكلي لا يغير من النتيجة شيئًا.
ومن أبرز المظاهر التي تستوجب المراجعة في أي منظومة تحقيق جامعية:
عدم مناقشة الدفوع الجوهرية التي يبديها عضو هيئة التدريس.
إغفال الرد على الطلبات المتعلقة بضم المستندات أو سماع الشهود أو إجراء ما يلزم لكشف الحقيقة.
الانتقاء في الأدلة، بحيث يُعتد بما يؤيد الاتهام ويُغفل ما قد ينفيه أو يخفف منه.
التعامل مع التحقيق باعتباره وسيلة لإثبات الاتهام، لا وسيلة للبحث عن الحقيقة.
طغيان القناعة الشخصية على التقييم الموضوعي للأدلة.
الخلط بين دور المحقق ودور السلطة المختصة بإصدار القرار التأديبي.
إن المحقق ليس خصمًا، ولا قاضيًا، ولا جهة تنفيذ للعقوبة. وظيفته تقتصر على جمع الوقائع وتمحيصها بحياد، لأن العدالة لا تتحقق إلا إذا استمع إلى جميع الأطراف بالقدر نفسه من الاهتمام.
كما أن احترام قواعد الاختصاص ليس مسألة شكلية، بل هو من صميم المشروعية. فإذا كان القانون أو التفسير القضائي يشترط توافر أوضاع أو صفات معينة فيمن يباشر التحقيق، فإن الالتزام بهذه الشروط يعد ضمانة أساسية لصحة الإجراءات. وأي خلاف حول توافر هذه الشروط ينبغي أن يُحسم في ضوء النصوص القانونية والأحكام القضائية، لأن الاختصاص لا يُستمد من الممارسة، وإنما من القانون.
ولا يكفي أن يكون المحقق صاحب خبرة علمية أو قانونية، بل يجب أن يلتزم كذلك بالحدود التي رسمها القانون لاختصاصه، وأن يباشر التحقيق بروح الباحث عن الحقيقة، لا بروح الساعي إلى الإدانة.
إن الجامعة القوية ليست التي تكثر فيها التحقيقات، وإنما التي يثق الجميع في عدالتها. فالتحقيق العادل يحمي المؤسسة قبل أن يحمي الأفراد، ويعزز هيبة القانون بدلًا من أن يجعل إجراءات التأديب محل نزاع وطعون. وكلما التزمت مكاتب التحقيق بالحياد، واحترام حق الدفاع، ومناقشة الدفوع، وسماع الشهود، والالتزام بقواعد الاختصاص، ازدادت الثقة في قراراتها، وترسخت قيم العدالة داخل المجتمع الجامعي.
فالعدالة لا تبدأ من توقيع الجزاء، بل تبدأ من أول سؤال في غرفة التحقيق، ومن استعداد المحقق لسماع ما قد يغير قناعته، لا لتأكيدها فقط.

تعليقات
إرسال تعليق