القائمة الرئيسية

الصفحات

 من القلعة الصناعية إلى الهشاشة الخدمية: مسار الطبقة العاملة المصرية من 1952 إلى الراهن


من القلعة الصناعية إلى الهشاشة الخدمية: مسار الطبقة العاملة المصرية من 1952 إلى الراهن

​بقلم: شريف السبع - باحث في الشأن العمالي


​تُمثل الحركة العمالية في مصر إحدى أكثر القضايا إفصاحاً عن التحولات الهيكلية التي شهدتها الدولة المصرية الحديثة. فعلى مدار أكثر من سبعة عقود، لم يكن موقع "العامل" مجرد صفة وظيفية في الجهاز الإداري، بل كان المؤشر الأدق لطبيعة العقد الاجتماعي والتنموي الحاكم. بين عصرٍ شُيّدت فيه المصانع الكبرى وعُدَّ فيه العامل شريكاً في السلطة والإنتاج، وعصرٍ تبدلت فيه الأولويات الاقتصادية لتتراجع القلاع الصناعية لصالح نمط جديد من التنمية، تتضح معالم التحول العميق الذي أعاد تشكيل الحياة اليومية والمستقبل الوظيفي لملايين المصريين.

​أولاً: مشروع يوليو (1952–1970) – "العامل" كشرط للتنمية والشرعية

​أرست ثورة 23 يوليو 1952 فلسفة اقتصادية واجتماعية جديدة جعلت من الطبقة العاملة ركيزة أساسية لبناء الدولة الحديثة، واستند هذا النموذج إلى مسارين متكاملين:

​1. الهندسة التشريعية والسياسية

​تمثيل السلطة والبرلمان: أقرّ الميثاق الوطني (1962) ودستور 1964 تخصيص نسبة لا تقل عن 50% من مقاعد كافة المجالس النيابية والمحلية للعمال والفلاحين، لضمان حماية التشريعات الانحيازية وضمان حضور الطبقات المنتجة في قلب صناعة القرار.

​إدارة الإنتاج والأرباح: أوجبت القرارات الاشتراكية لعام 1961 تخصيص 25% من الأرباح الصافية للشركات للعمال والموظفين، مع ضمان تمثيلهم المباشر في مجالس إدارات الشركات ومؤسسات القطاع العام.

​الأمان الوظيفي: وضع قانون العمل حماية صارمة ضد الفصل التعسفي، واقترن ذلك بتحديد ساعات العمل بـ 7 ساعات يومياً، وإقرار الحد الأدنى للأجور، وتأسيس مظلة للتأمين الصحي والاجتماعي والمعاشات.

​2. التوسع الصناعي والقلاع الإنتاجية

​تجلت هذه الفلسفة في الخطة الخمسية الأولى (1960–1965)، والتي شهدت ضخ استثمارات ضخمة لتأسيس المجمعات الصناعية الثقيلة والتحويلية:

​حلوان: تحولت إلى عاصمة للصناعات الثقيلة عبر مجمع الحديد والصلب، وشركة النصر للسيارات، ومصانع الكوك والأسمنت.

​المحلة الكبرى وشبرا الخيمة: تضخمت شركة غزل المحلة والشركات المجاورة لتستوعب عشرات الآلاف من العمال المهرة والصناع.

​المناطق الاستراتيجية: تم توسيع مصانع الإنتاج الحربي في أبو زعبل، وقطاع الدواء المملوك للدولة (سيد ومصر والقاهرة)، ومصانع الأسمدة والكيماويات (سماد طلخا، وكيما بأسوان) لتأمين الأمن القومي والزراعي.

​ثانياً: مرحلة التحول والتفكيك التدريجي (1974–2010)

​لم يدم النموذج الناصري للقطاع العام طويلًا؛ إذ دخل الاقتصاد المصري مساراً جديداً أعاد رسم حماية الدولة للعمال على ثلاث مراحل رئيسية:

​سياسة الانفتاح الاقتصادي (1974): تم التراجع عن النموذج التخطيطي الشامل، والتحول نحو تشجيع الاستثمار الحر واستيراد السلع الاستهلاكية، مما أوجد منافسة غير متكافئة مع مصانع القطاع العام.

​برامج الخصخصة والهيكلة (قانون 203 لسنة 1991): مع صدور قانون قطاع الأعمال العام وإبرام الاتفاقات مع المؤسسات الدولية، أُطلقت برامج لبيع وتصفية الشركات العامة واستحداث نظام "المعاش المبكر"، مما أدى إلى تفكيك التجمعات العمالية الضخمة وتقليص العمالة الدائمة.

​قانون العمل رقم 12 لسنة 2003: فتح القانون الباب للتعاقدات المؤقتة وربط الأجر بالتفاوض الفردي، مما خفض الأمان الوظيفي الذي كان الميزة الأساسية للعمل بالقطاع العام طوال العقود السابقة.

​ثالثاً: الواقع الراهن وما بعد 2013 – "رأسمالية الدولة التنفيذية"

​شهدت العقود الأخيرة حسم التراجع عن النموذج التنموي القائم على التصنيع التقليدي المباشر، والتحول نحو نموذج يستند إلى الجدوى الاقتصادية للشركات، والاستثمار في البنية التحتية، وإسناد المشروعات الكبرى للمؤسسات السيادية:

​إلغاء الكوتة البرلمانية: ألغى دستور 2014 نسبة الـ 50% عمال وفلاحين، محولاً إياها إلى نصوص عامة بـ "التمثيل الملائم"، مما أضعف التمثيل المؤسسي المباشر للقيادات العمالية تحت قبة البرلمان.

​تصفية الرموز التاريخية: أُتخذت قرارات بتصفية ومحو شركات كبرى اعتُبرت غير ذات جدوى اقتصادية ومحملة بالديون، مثل شركة الحديد والصلب بحلوان (2021)، والشركة القومية للأسمنت، وشركة الكوك.

​تغير دور الدولة المباشر: تحولت استثمارات الدولة من بناء مصانع تديرها وزارات مدنية وتستوعب آلاف العمالة، إلى بناء البنية التحتية (الطرق، الموانئ، الطاقة، العقارات) وتولّي المؤسسة العسكرية (عبر جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة الهندسية) إدارة المشروعات الحيوية والتجارية لضبط الأسعار وسرعة التنفيذ.

​رابعاً: النتيجة الاجتماعية – من "صانع النهضة" إلى "العامل الهامشي"

​أدى إعادة تشكيل الاقتصاد دون وجود قطاع صناعي خاص يستوعب الملايين بدلاً من القطاع العام، إلى تغير جوهري في بنية وطبيعة سوق العمل المصري:

​توسع الاقتصاد غير المنظم: تراجعت الوظائف المباشرة والمحمية، واتسعت المساحة للقطاع غير المنظم الذي يفتقر للتأمين الاجتماعي والمظلة الصحية والنقابية.

​الانتقال نحو القطاع الخدمي الخفيف: تحول قطاع واسع من الشباب والمؤهلين من أصحاب التخصصات الفنية، أمام انسداد منافذ التعيين والإنتاج، إلى عمالة دليفري، سائقي مركبات نقل ذكي وتوك توك، أو عمالة مقاولات مؤقتة.

​التعطل وهدر الطاقات: ارتفعت معدلات البطالة الهيكلية، حيث أدى التباين بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الراهن إلى تزايد الظواهر الاجتماعية الناجمة عن الهشاشة الاقتصادية، كالجلوس على المقاهي وانتظار فرص العمل الموسمية.

​إن مسار الطبقة العاملة المصرية من عام 1952 إلى الوقت الحاضر يكشف عن انتقال دراماتيكي من قلب المعادلة السياسية والاقتصادية إلى هامشها.

​إذا كانت ثورة 1952 قد أخطأت في تقييد الحرية النقابية المستقلة، إلا أنها جعلت من "المصنع" أداة لبناء الطبقة الوسطى والأمان الوظيفي. وفي المقابل، فإن النموذج الاقتصادي الراهن، رغم إنجازه لشبكات بنية تحتية حديثة، قد حسم التخلي عن "الدولة الصانعة"، ليدفع ملايين العمال والشباب نحو اقتصاد خدمات غير منظم يفتقر للأمان والمستقبل المستقر، محولاً العامل من صانع لنهضة البلاد إلى مجرد باحث فردي عن بقائه اليومي.

من القلعة الصناعية إلى الهشاشة الخدمية: مسار الطبقة العاملة المصرية من 1952 إلى الراهن


من القلعة الصناعية إلى الهشاشة الخدمية: مسار الطبقة العاملة المصرية من 1952 إلى الراهن


تعليقات