شهدت الحلقة الأخيرة من برنامج «قضيتي»، الذي يقدمه الدكتور نادر الصيرفي على قناة الشمس 2، نقاشًا قانونيًا اتسم بالعمق والموضوعية حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وانتهى إلى تأكيد جديد على تزايد التأييد بين عدد من كبار المتخصصين للعودة إلى لائحة الأحوال الشخصية لسنة 1938 باعتبارها الإطار التشريعي الذي حافظ على استقرار الأسرة المسيحية لعقود طويلة.
ومن أبرز ما ميز الحلقة الاحترافية التي أدار بها الدكتور نادر الصيرفي الحوار، إذ لم يكتفِ بإدارة النقاش، بل نجح في توجيهه نحو أكثر القضايا إثارة للجدل داخل مشروع القانون. فقد وضع يده على ما يمكن وصفه بـ"المناطق المفخخة" في المشروع، مثل شهادة خلو الموانع، وقواعد الإسناد، وتغيير الملة، والتحكيم، والتصريح بالزواج، والعلاقة بين اختصاص الكنيسة واختصاص القضاء. ومن خلال أسئلة دقيقة ومتتابعة، أتاح لضيف الحلقة أن يعرض رؤيته القانونية كاملة، فتحول الحوار إلى مناقشة علمية كشفت العديد من الإشكالات الدستورية والعملية التي قد تواجه تطبيق المشروع.
وخلال الحلقة، أعلن الأستاذ أمجد مراد بسطا، المحامي بالنقض، موقفه بوضوح قائلاً: "أحبذ وأفضل وأتمنى الرجوع إلى لائحة 1938." وأضاف أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، بصيغته الحالية، يثير مشكلات لا تنتهي في الواقع العملي.
وشبَّه مشروع القانون بـ**"الغربال"** الذي لا يُعرف أوله من آخره، وتملؤه "الخروم"، في إشارة إلى ما يراه من ثغرات تشريعية عديدة قد تؤدي إلى تضارب في التطبيق وإطالة أمد المنازعات.
كما وجَّه انتقادًا لنظام شهادة خلو الموانع، معتبرًا أنها مسألة كنسية لا يستطيع القاضي التحقق من عناصرها أو بسط رقابته عليها، وهو ما قد يفتح المجال لإساءة استخدامها أو التعسف في منحها.
وتناول كذلك تنظيم المشروع لمسألة تغيير الملة أثناء الخطبة، مشيرًا إلى أن المشروع اعتبرها سببًا لإنهاء الخطبة، بينما لم يرتب عليها الأثر ذاته في دعاوى الطلاق. وأوضح أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا إذا كان التغيير إلى طائفة لا تخضع لأحكام مشروع القانون، إذ يصعب على المحكمة إثبات هذا التغيير أو التعامل مع آثاره القانونية، رغم إمكانية ترتب آثار جوهرية عليه.
وانتقد أيضًا نظام التحكيم في دعاوى الزنا وتغيير الدين، موضحًا أنه إذا غيَّر الزوج دينه وأقامت الزوجة الدعوى، فإن الحكمين يعرضان الإسلام على الزوج، بينما يُطلب رأي الكنيسة في مسائل لا تملك الفصل فيها قضائيًا، متسائلًا عن الجدوى العملية لهذا التنظيم.
وأكد الأستاذ أمجد مراد بسطا وجود فجوة واضحة بين المسائل الدينية والمسائل القانونية داخل مشروع القانون، مؤيدًا ما طرحه الدكتور نادر الصيرفي من أن المشروع لا يتضمن قواعد قانونية عامة ومجردة، كما أنه لم ينظم مسألة التصريح بالزواج تنظيمًا تشريعيًا واضحًا، وهو ما يزيد من تعقيد التطبيق أمام القضاء.
وفي ختام الحلقة، دعا إلى تشكيل لجنة تضم كبار الخبراء والمتخصصين في الأحوال الشخصية للمسيحيين لإعادة دراسة مشروع القانون ومعالجة ما يثيره من إشكالات، أو العودة إلى لائحة الأحوال الشخصية لسنة 1938 بعد تحديث ما يلزم منها، باعتبارها الإطار التشريعي الذي أثبت، بحسب رأيه، قدرته على تحقيق قدر كبير من الاستقرار للأسرة المسيحية لما يقرب من قرن.
وتؤكد هذه الحلقة أن الحوار القانوني الرصين، القائم على مناقشة النصوص وتحليل آثارها العملية، يظل السبيل الأمثل للوصول إلى تشريع يحقق التوازن بين المبادئ الدستورية، واحترام الشريعة المسيحية، واستقرار الأسرة، وضمان وجود قواعد قانونية عامة ومجردة قابلة للتطبيق أمام القضاء.

تعليقات
إرسال تعليق