لقد غدت فرحة النجاح في زماننا ظاهرةً اجتماعيةً تستحق الوقوف عندها، إذ لم تعد مجرّد لحظة وجدانية صادقة تعبّر عن ثمرة جهدٍ وسهرٍ طويل، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مظاهر صاخبة، وأشكالٍ من التباهي والمغالاة، حتى كادت تُفرغ النجاح من جوهره التربوي، وتحوّله إلى مناسبة للضجيج والفوضى.
في ماضينا القريب، كان النجاح يُستقبل بفرحٍ هادئ، وسجدة شكرٍ لله، واحتفالٍ بسيط بين أفراد العائلة، تُزيّنه دعوات صادقة وصدقة خفية، في انسجامٍ مع قيم ديننا الذي يحكم بالاعتدال والوسطية.
أمّا اليوم، فقد تسلّلت إلينا عادات دخيلةمن ألعابٍ نارية، ومواكب سيارات، وموسيقى صاخبة، وضجيجٍ يملأ الشوارع، حتى غدا النجاح مناسبةً للتبذير بدل أن يكون لحظةً للتأمل والشكر.
ديننا الحنيف علّمنا أنّ الفرح مشروع، بل هو من شكر النعمة، لكنّه قيّده بقاعدةٍ ذهبية: "لا إفراط ولا تفريط". فالفرح الذي يبهج الروح ويقرّبنا من الله محمود، أمّا الفرح الذي يطغى ويؤذي الآخرين فهو مذموم.
إنّ الإسراف في المظاهر الصاخبة لا يعبّر عن نجاحٍ حقيقي، بل يجرّد النجاح من معناه، ويحوّله إلى استعراضٍ فارغ.
النجاح الحقيقي ليس في الشهادة وحدها، بل في أثرها على حياة الطالب وأسرته ومجتمعه.
النجاح الحقيقي هو أن يظلّ الطالب متواضعًا، شاكرًا، مستعدًّا لمواصلة الطريق نحو العلم والعمل. أمّا من يغطّي ضعفه الأكاديمي بالمظاهر الصاخبة، فهو في الحقيقة يهرب من مواجهة ذاته، ويستبدل الإنجاز بالضجيج.
المسؤولية الاجتماعيةالمبالغة في الاحتفال ليست شأنًا فرديًا فحسب، بل هي قضية اجتماعية تمسّ الأمن والسكينة العامة.
كم من الأرواح أُزهقت بسبب تهوّرٍ في الاحتفالات، وكم من ممتلكاتٍ أُتلفت بسبب ألعابٍ نارية أو مواكبٍ غير مسؤولة.
إنّ المجتمع الذي يفرح بوعيٍ يحفظ نفسه، أمّا المجتمع الذي يفرح بتهوّرٍ فهو يهدّد نفسه بنفسه.
رسالتي إلى الراسبين ولمن لم يُوفَّقوا في هذه الامتحانات، أقول: لا تيأسوا، فهذه امتحانات دنيوية، والآخرة خيرٌ وأبقى. إنّ فرحتكم مؤجَّلة، لكنها ستتحقق مستقبلًا، فقط أقبلوا إلى الله، واثبتوا على طريق الجدّ والاجتهاد، فالفشل ليس نهاية المطاف، بل بدايةٌ جديدة نحو نجاحٍ أعظم.
خلاصة القول الفرح بالنجاح حقّ مشروع، لكنّه يحتاج إلى ضوابط الدين والعقل. لا نرفض الفرح، بل نرفض الإفراط فيه.
لا نمنع البهجة، بل ندعو إلى الاعتدال فيها. فالنجاح الحقيقي يُقاس بالتواضع والأثر، لا بالصخب والضجيج. فلنفرح بما يليق بنعمة الله، ولنحمده على فضله، ولنجعل من نجاحنا منارةً للعلم والفضيلة، لا مناسبةً للتبذير والفوضى.
قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف
الجزائر – 14/06/2026
تعليقات
إرسال تعليق