بقلم : محمد حسني محمود
في ناس كتير مش عايشة في الواقع، لكنها عايشة جوه فيلم ألفه عقلها. فيلم مليان شكوك، وخوف، وسيناريوهات سودا، لدرجة إن صاحبه بيصحى متضايق، وينام مكسور، بسبب أحداث عمرها ما حصلت..الموضوع بيبدأ بفكرة صغيرة جدًا "أكيد هو قصده يحرجني، "أكيد هفشل"، "أكيد الناس دي بتتكلم عليّ". وبعدها يشتغل العقل كأنه مخرج عبقري، يضيف مشاهد، وحوارات، ونهايات مأساوية، لحد ما تتحول الفكرة لاحتمال، والاحتمال ليقين، واليقين لسجن حابس صاحبه..الغريب إن الإنسان ساعات بيتألم من خياله أكتر ما بيتألم من الواقع. يقضي أيام وهو زعلان من موقف ما حصلش، أو خائف من كارثة لسه ما جتش، أو مقتنع إن الناس كلها ضده من غير ما يحاول يتأكد أو يسأل أو حتى يدور على دليل واحد..المشكلة الأكبر إننا أحيانًا بنفضل قاعدين مع أفكارنا لوحدنا، من غير مشاركة، ومن غير بحث، ومن غير محاولة نفهم الحقيقة. نصدق الرواية اللي كتبها الخوف، ونرفض نفتح باب لأي تفسير تاني. وكأن العقل قال الكلمة الأخيرة وانتهى الأمر...لكن الحقيقة ليها طريق مختلف. الحقيقة محتاجة مجهود. محتاجة إنك تسأل قبل ما تحكم، وتتحقق قبل ما تتهم، وتسمع قبل ما تصدق اللي في دماغك. لأن مش كل إحساس حقيقي يبقى تفسيره صحيح، ومش كل فكرة سودا تبقى واقع.
التفكير السلبي بارع في ملء الفراغات. لو ما لاقاش معلومة، اخترع واحدة. ولو ما فهمش موقف، ألف له قصة. ولو خاف من المستقبل، رسم أسوأ نهاية ممكنة، وبعدها أقنعك إنها أكيدة... اسأل نفسك كل مرة "أنا عندي دليل؟ ولا أنا بصدق فيلم بيعرضه عقلي؟". السؤال ده لوحده ممكن ينقذك من أيام طويلة من القلق والتعب.
أخطر كذبة ممكن يصدقها الإنسان هي الكذبة اللي عقله ألفها بنفسه. وأذكى خطوة ممكن يعملها هي إنه يبذل شوية جهد عشان يعرف الحقيقة، بدل ما يعيش عمره كله محبوس جوه وهم صنعه التفكير السلبي...لأن الواقع، مهما كان صعب، يفضل أرحم بكتير من خيال أسود بيكبر كل يوم لحد ما يسرق منك راحتك، وقراراتك، وفرحتك بالحياة.

تعليقات
إرسال تعليق