القائمة الرئيسية

الصفحات

رحلة التدرج فى التحريم: الخمر مثال

 


بقلم :

د كامل عبد القوى النحاس 


في المقال السابق تحدثنا عن الناسخ والمنسوخ، ورأينا أن النسخ ليس تناقضاً في الأحكام، وإنما انتقال من مرحلة إلى مرحلة وفق حكمة تراعي الإنسان والواقع والزمان. واليوم نقف أمام المثال الأشهر في هذا الباب، بل المثال الذي يكاد يلخص فلسفة التدرج التشريعي كلها: قصة الخمر.


ولو أردنا أن نفهم هذا التشريع حق الفهم، فعلينا أولاً أن نعود إلى المجتمع العربي قبل الإسلام. فقد كانت الخمر جزءاً من الحياة اليومية عند كثير من العرب، يشربونها في مجالسهم، ويتغنون بها في أشعارهم، ويتفاخرون بجودتها وأنواعها. ولم تكن مجرد شراب عابر، بل كانت عادة اجتماعية متجذرة ارتبطت بالفرح والكرم والاحتفال واللهو، حتى أصبحت جزءاً من الثقافة السائدة في ذلك العصر.


ولم يكن العرب وحدهم كذلك، بل إن تاريخ البشرية يكاد يخلو من أمة لم تعرف نوعاً من المسكرات أو المواد التي تغيّب العقل وتمنح صاحبها شعوراً مؤقتاً باللذة أو النشوة. ولهذا فإن معالجة هذه الظاهرة لم تكن قضية فقهية مجردة، بل كانت تحدياً اجتماعياً ونفسياً عميقاً.


وكان اقتلاع هذه العادة من مجتمع كامل يشبه في عصرنا محاولة اقتلاع ظاهرة الإدمان من مجتمع اعتادت فئات منه على المخدرات والمؤثرات العقلية. وهنا تظهر عبقرية التشريع القرآني؛ إذ لم يبدأ بالمواجهة المباشرة، ولم يصدر قراراً فورياً بالتحريم القاطع، وإنما بدأ ببناء القناعة قبل إصدار الحكم.

كانت المرحلة الأولى مرحلة التلميح الهادئ.


قال تعالى:

﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 67].


وقد لفت العلماء النظر إلى أن الآية فرقت بين السكر والرزق الحسن، وكأنها تفتح نافذة للتأمل دون أن تصدر حكماً مباشراً. فالتشريع هنا لا يصطدم بالعقول، بل يدعوها إلى التفكير. فالناس إذا أُمروا بترك ما ألفوه منذ زمن طويل قد يقاومون الأمر أو ينفرون منه، أما إذا قادتهم النصوص إلى مراجعة قناعاتهم بأنفسهم فإن الطريق إلى التغيير يصبح أقصر وأرسخ.

ثم جاءت المرحلة الثانية حين بدأ المسلمون يسألون عن الخمر، فنزل قول الله تعالى:


﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].


وهنا تظهر دقة الخطاب القرآني.

فالقرآن لم ينكر وجود بعض المنافع، لأن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالواقع. فقد كان بعض الناس يربح مالاً من تجارتها، ويجد آخرون فيها لذة مؤقتة أو شعوراً زائفاً بالراحة، وربما ظن بعضهم أنها تنسيه همومه لبعض الوقت. لكن القرآن لم يقف عند ظاهر المنفعة، بل دعا إلى النظر في الحصيلة النهائية.


كم من عقل غاب بسببها؟


وكم من مال ضاع؟


وكم من خصومة اشتعلت؟


وكم من بيت تهدم؟


وكم من جريمة ارتكبت تحت تأثيرها؟


وكم من إنسان بدأها كأساً وانتهى بها أسيراً لا يملك من أمر نفسه شيئاً؟


لهذا جاء الحكم العقلي الهادئ:

﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].


إنها ليست لغة الأوامر الصارمة بعد، بل لغة الموازنة والترجيح. فالقرآن يريد أن يقتنع الإنسان قبل أن يمتثل. يريد أن يشارك عقله في الوصول إلى النتيجة، لا أن يكتفي بسماع القرار.

وبالفعل ترك بعض الصحابة الخمر عند هذه المرحلة، بينما استمر آخرون في شربها لأن التحريم الصريح لم يكن قد نزل بعد.


ولعل أبلغ ما يشرح فلسفة هذا التدرج ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً.


وهذه الرواية تكشف جانباً عظيماً من منهج القرآن في الإصلاح؛ إذ لم يبدأ التشريع بتقييد السلوك، وإنما بدأ ببناء الإيمان وتعظيم الله واليوم الآخر، حتى إذا امتلأت القلوب بهذه المعاني أصبح الامتثال طبيعياً لا مفروضاً من الخارج.

ثم جاءت المرحلة الثالثة.


قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].


وكان لهذا الحكم أثر بالغ في تضييق مساحة التعاطي عملياً، إذ ربط الخمر بأقدس لحظات الإنسان، وهي لحظة الوقوف بين يدي الله، فبدأت النفوس تنفر شيئاً فشيئاً من حال السكر ذاته.

وبذلك كانت المرحلة تمهيداً نفسياً وواقعياً للمنع النهائي.


ثم جاءت اللحظة الحاسمة في التشريع.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].


وهنا لم يكتف القرآن بإعلان التحريم، بل كشف علته وبيّن حكمته، فجاء الخطاب ليس مجرد أمرٍ تشريعي، بل بناءً عقدياً وأخلاقياً يربط الحكم بمقاصده.


فالخمر في التصور القرآني ليست مجرد شراب يُترك، بل منظومة تؤثر في العقل والإرادة والعلاقات الاجتماعية، وتفتح أبواب العداوة والبغضاء، وتغلق أبواب الذكر والصلاة. ولذلك جاء التعبير القرآني بلفظ الاجتناب، لا مجرد الترك؛ لأن الاجتناب أبلغ في المعنى، إذ لا يقتصر على الامتناع عن الفعل، بل يمتد إلى الابتعاد عن أسبابه ومقدماته وبيئته.


ومن اللافت هنا أن السنة النبوية جاءت لتؤكد هذا المعنى الشمولي، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه".


وهذا الحديث يكشف بوضوح أن التشريع لم يتعامل مع الخمر كفعل فردي فقط، بل كمنظومة كاملة تتشارك في إنتاجه وترويجه وتداوله. فالمنهج النبوي لم يكتفِ بمعاقبة المستهلك، بل وسّع دائرة المسؤولية لتشمل كل من يشارك في استمرار الظاهرة، لأن الفساد الاجتماعي لا يقوم على فرد واحد، بل على شبكة مترابطة من الأدوار.


وهنا يظهر جانب عميق من فلسفة التشريع الإسلامي، وهو أن الردع الخارجي لا يكفي وحده، بل لا بد من رقابة داخلية راسخة في الضمير. فالقانون مهما كان صارماً يظل محدود الأثر إذا لم يجد في الداخل إنساناً مقتنعاً بالامتثال. أما حين يُبنى الإيمان في القلب، ويستقر الشعور برقابة الله، يصبح الإنسان رقيباً على نفسه قبل أن يكون خاضعاً لرقابة غيره.


ولذلك كان البناء الإيماني في الإسلام جزءاً من منظومة التشريع، لا مرحلة منفصلة عنها. فالإيمان بالجنة والنار، وتعظيم أمر الله، واستحضار الحساب، كلها عناصر صممت لتكوين وازع داخلي يحفظ السلوك حتى في غياب السلطة الخارجية.

وهذا ما يفسر سرعة التحول العجيب الذي وقع في المجتمع النبوي لحظة نزول التحريم النهائي. فلم يحتج الناس إلى إلزام قسري، ولا إلى عقوبات فورية، بل جاء الامتثال تلقائياً وسريعاً، لأن القرار لم يكن مفاجئاً للنفوس، بل كان ثمرة تراكم طويل من التربية والإعداد.


فما إن سمع الصحابة قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ حتى كان جوابهم العملي: انتهينا ربنا، انتهينا. وسُرعان ما تحولت مجالس المدينة إلى مشهد تاريخي فريد، حيث أُريقت أوعية الخمر في الطرقات حتى جرت بها الأزقة، في لحظة تحول داخلي قبل أن تكون مجرد امتثال خارجي.


وهنا تتجلى قاعدة بالغة الأهمية في فهم التشريع القرآني: أن العقوبة جاءت متأخرة عن التربية، لا متقدمة عليها. فالإسلام لم يبدأ بالحدود، ولم يفتتح مشروعه الإصلاحي بالسجن أو الردع، بل بدأ ببناء الإنسان من الداخل، ثم انتقل إلى ضبط السلوك، ثم جاءت العقوبات كضمانة أخيرة لاستقرار المجتمع بعد اكتمال البناء النفسي والأخلاقي.


ولذلك فإن النظر إلى التجربة القرآنية من زاوية قانونية مجردة فقط يؤدي إلى سوء فهم عميق؛ لأن التشريع الإسلامي ليس مجرد أوامر ونواهٍ، بل مشروع متكامل لإعادة تشكيل الإنسان.

وفي المقابل، تُظهر التجربة الإنسانية الحديثة حدود الاعتماد على القانون وحده. فقد شهدت الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين تجربة حظر الكحول فيما عُرف بـ"فترة الحظر" بعد التعديل الدستوري الثامن عشر عام 1920. وقد سعت الدولة حينها إلى إنهاء استهلاك الكحول عبر المنع القانوني الصارم، لكن النتائج جاءت عكسية في جوانب عديدة، حيث انتشرت السوق السوداء، وتوسعت شبكات التهريب، وظهرت الجريمة المنظمة، وتحوّل المنع إلى دافع لاقتصاد خفي أكثر تعقيداً.


وبعد ثلاثة عشر عاماً فقط، صدر التعديل الحادي والعشرون عام 1933 ليُلغي الحظر، في اعتراف عملي بأن القانون وحده لم يكن كافياً لتحقيق التحول الاجتماعي المطلوب.

وليس المقصود من هذا المثال الموازنة بين التجربتين، بل الإشارة إلى حقيقة إنسانية واحدة: أن المنع القانوني إذا لم يُدعَّم ببناء قيمي وتربوي واجتماعي يصبح هشّاً أمام الضغوط الواقعية.


وفي الواقع العربي المعاصر تتكرر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة. فالدول العربية، ومنها مصر، تبذل جهوداً كبيرة في مكافحة المخدرات عبر التشريعات الصارمة، والعمليات الأمنية، وبرامج العلاج والتوعية، ومع ذلك لا تزال الظاهرة قائمة بدرجات متفاوتة. ولا يعود ذلك إلى ضعف القانون بقدر ما يعود إلى طبيعة الظاهرة نفسها، بوصفها نتاجاً لعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة.


فالقانون يستطيع أن يردع، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد تشكيل الدوافع الداخلية للإنسان. ويمكن للأجهزة الأمنية أن تلاحق الشبكات الإجرامية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعالج الفراغ القيمي أو الأزمات النفسية أو بيئات التفكك الاجتماعي.

ومن هنا يظهر مجدداً الفارق بين التشريع القرآني وغيره من التجارب؛ إذ لم يكتفِ القرآن بتجريم الفعل، بل بدأ بتغيير الوعي الذي ينتجه، وبناء القناعة التي تتركه، وتأسيس الرقابة الداخلية التي تمنع العودة إليه.


وهكذا لم يكن تحريم الخمر مجرد انتقال من حكم إلى حكم، بل كان رحلة كاملة لتحرير الإنسان من سلطان العادة، وإخضاع السلوك لسلطان الإيمان، حتى غدت الطاعة اختياراً داخلياً قبل أن تكون التزاماً خارجياً.


وفي هذا تكمن فرادة المنهج القرآني؛ إذ لم يغير ما في الأوعية فقط، بل غيّر ما في النفوس، ولم يوقف الفعل وحده، بل أعاد تشكيل الإنسان الذي يقوم بالفعل.


وبذلك تتحول قصة الخمر من مسألة فقهية إلى نموذج حضاري في إدارة التغيير الاجتماعي، يبين أن أعظم التحولات ليست تلك التي تفرض بالقوة، بل التي تُبنى في الداخل حتى تصبح جزءاً من وعي الإنسان وإرادته.


وفي المقال القادم :

ننتقل إلى نموذج آخر من نماذج الحكمة التشريعية، وهو تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، لنرى كيف يتجلى معنى الطاعة في أبسط صورة: اتجاه الجسد، وأعمقها: انقياد القلب

تعليقات