القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم: رانية الشيشيني


في حياة الإنسان معارك لا يراها أحد، حروب صامتة تدور في أعماقه بين اليأس والرجاء، بين الرغبة في الاستمرار وإغراء التوقف، بين ضعف النفس وقوة الإيمان. وفي خضم هذه المعارك، يظهر المعدن الحقيقي للإنسان؛ ليس عندما يكون قويًا وواثقًا من نفسه، بل عندما يواصل السير وهو لا يرى من نفسه إلا الضعف، ولا من الطريق إلا القسوة والعناء.


إن أعظم ما يُظهر صدق الإنسان مع نفسه هو أن يبقى ساعيًا رغم كل ما يحيط به من أسباب الإحباط. أن يستيقظ كل يوم ليبدأ من جديد، رغم الخيبات المتراكمة، ورغم الأبواب التي أُغلقت في وجهه مرارًا. أن يحاول مرة أخرى لا لأنه يملك ضمانات النجاح، بل لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن النية الصادقة التي يحملها في قلبه.


كثيرون يربطون قيمة الإنسان بما يصل إليه من نتائج، بينما الحقيقة أن الله ينظر إلى الصدق في السعي قبل أن ينظر إلى الثمار. فليس كل مجتهد يصل سريعًا، وليس كل متأخر قد أخفق، لأن لكل إنسان موعدًا كتبه الله له، ولكل خطوة أجرها المحفوظ عنده سبحانه.


إن الإيمان الخالص لا يظهر حين تكون الطرق ممهدة والنجاحات متتالية، بل يتجلى حين يشتد التعب ويطول الانتظار، ومع ذلك يبقى القلب متمسكًا بالأمل. أن تواصل السعي وأنت لا تعلم أين ستكون النهاية، فهذا ليس مجرد صبر، بل عبادة عظيمة لا يدرك قيمتها إلا من ذاق مرارة الطريق.


والذين يظنون أن التوقف أمر بسيط لا يُحاسب عليه أحد، ينسون أن كل محاولة يبذلها الإنسان تُكتب له عند الله. يُكتب له أجر النية، وأجر الاجتهاد، وأجر الصبر، حتى وإن لم تُثمر المحاولة كما أراد. فربما لم يفتح الله لك الباب الذي طرقتَه، لكنه ادخر لك بابًا أعظم لم تتخيله يومًا.


ليس المطلوب من الإنسان أن يحقق النجاح في كل مرة، ولا أن يصل دائمًا إلى ما يتمناه. المطلوب فقط أن يبقى واقفًا على الطريق، ثابتًا على العهد، رافضًا للاستسلام. أن يستمر ولو بخطوات بطيئة، ولو زحفًا، ما دام قلبه ما زال مؤمنًا بأن الله لا يضيع تعب الساعين.


قد تسقط مرة، وقد تسقط عشرات المرات، وربما مئة مرة، لكن القيمة الحقيقية ليست في عدد مرات السقوط، بل في عدد مرات النهوض. فكل قيام بعد انكسار هو انتصار، وكل محاولة بعد خيبة هي شهادة حياة، وكل أمل يُولد من رحم الألم هو رسالة بأن الروح ما زالت قادرة على المقاومة.


لذلك، لا تحزن إن طال الطريق، ولا تيأس إن تأخر الحصاد، ولا تظن أن جهدك ضاع هباءً. فما دام القلب على العهد، وما دام السعي مستمرًا، فأنت في دائرة الفلاح حتى قبل أن تصل. فالله لا يزن الناس بما حققوه فقط، بل بما صبروا عليه، وبما حملوه من نوايا صادقة، وبما بذلوه من جهد وهم يؤمنون أن لكل تعب عند الله جزاءً لا يضيع.


تعليقات