=====================
كتب / سمير أبو طالب
=====================
في زمن أصبحت فيه قصص النجاح الحقيقية نادرة، تبرز قصة الدكتورة غادة محمد يسري كنموذج ملهم للإرادة والعطاء والتضحية، بعدما استطاعت أن تحول الألم إلى أمل، والظروف الصعبة إلى رحلة حافلة بالإنجازات والنجاحات، حتى أصبحت اليوم رئيس مجلس إدارة حضانة اليسر النموذجية بهرية رزنة، وأمينًا مساعدًا بحزب مستقبل وطن، ومدربًا معتمدًا في إدارة الحضانات والتربية الإيجابية .. بدأت رحلة الدكتورة غادة يسري بمدينة المنصورة، حيث عُرفت منذ طفولتها بالتفوق الدراسي والتميز في مختلف الأنشطة الطلابية، وكانت من أوائل الجمهورية والطالبات المتميزات في مراحل التعليم المختلفة، حتى جاء الحدث الذي غيّر مجرى حياتها بالكامل، حين فقدت والدتها وهي في السابعة عشرة من عمرها .. لم تكن صدمة الفقد سهلة على الفتاة المتفوقة، لكنها وجدت نفسها أمام مسؤولية كبيرة تجاه والدها وثلاثة أشقاء يصغرونها سنًا، لتتحول فجأة من ابنة إلى أم ثانية داخل المنزل، تقود الأسرة وتتحمل مسؤولياتها بكل حب وإخلاص.
ورغم أن مجموعها في الثانوية العامة كان يؤهلها للالتحاق بكليات مرموقة مثل الألسن وغيرها من الكليات التي تتناسب مع تفوقها في اللغات وقدراتها المتميزة، فإنها فضلت البقاء بجوار أسرتها، واختارت الالتحاق بكلية الآداب لتكون قريبة من والدها وأشقائها.
وخلال أيامها الأولى بالجامعة، وبينما كانت تتجول داخل الحرم الجامعي، لفت انتباهها قسم علم الاجتماع، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها عندما أخبرها أحد الأساتذة بأهمية هذا التخصص ودوره في بناء الأسرة والمجتمع. حينها شعرت أن هذا الطريق سيساعدها في أداء رسالتها تجاه أشقائها وأسرتها، فقررت أن تخوض التجربة بكل شغف .. وفي الجامعة أيضًا التقت بشريك حياتها، الذي رأت فيه الأخلاق والوفاء والدعم الحقيقي، فتزوجت من فارس أحلامها وانتقلت معه إلى القاهرة، لكنها لم تنسَ والدها الذي عاش سنوات طويلة يعتمد عليها ويعتبرها سندًا حقيقيًا له.
ومع اشتياق الأب لابنته، جاء الاتصال الذي غيّر مسار حياتها مرة أخرى، حين قال لها: "أنتِ فين؟ الدنيا وحشة من غيرك". لم يتردد الزوج الوفي لحظة، وقرر العودة معها إلى جوار والدها وأشقائها، مؤكدًا أن الأسرة تأتي قبل كل شيء .. وهنا كانت المفاجأة الكبرى التي صنعت نقطة التحول في حياة الدكتورة غادة يسري، عندما استعاد والدها حلمًا قديمًا كانت تحدثه عنه منذ سنوات، وهو إنشاء حضانة للأطفال تخدم المجتمع وتحقق رسالتها التربوية.
فقال لها يومًا: "فاكرة يا غادة لما كنتِ بتقولي نفسك يبقى عندك حضانة وتتعاملِي مع الأطفال؟ أنا مش هعملك حضانة بس، أنا هعملك مؤسسة كاملة." .. وبالفعل تحقق الحلم، لتصبح "حضانة اليسر النموذجية" واحدة من النماذج التعليمية والتربوية المتميزة، والتي أولت اهتمامًا خاصًا بالجانب النفسي والتربوي للطفل إلى جانب التعليم الأكاديمي .. ورغم رحيل والدها وزوجها بعد ذلك، فإن ذكراهما بقيت حاضرة في كل خطوة نجاح حققتها، حيث تؤكد الدكتورة غادة يسري دائمًا أن الدعم النفسي والمعنوي الذي تلقته منهما كان السبب الرئيسي فيما وصلت إليه اليوم .. ومن جانبها، قالت الدكتورة غادة محمد يسري:
"أعتبر أن والدي وزوجي رحمهما الله هما سر نجاحي الحقيقي، فقد منحاني الثقة والدعم والإيمان بقدراتي في أصعب مراحل حياتي. تعلمت منهما أن النجاح لا يأتي إلا بالصبر والتضحية والعمل المخلص، وأن خدمة الناس وبناء الأجيال رسالة عظيمة تستحق كل الجهد."
وأضافت : "لديّ ولدان هما حازم وأحمد، لكن حضانة اليسر تمثل بالنسبة لي الابنة الثالثة، فهي حلم العمر الذي نشأ معي وكبر في قلبي حتى أصبح واقعًا أفتخر به. نحن لا نركز فقط على تعليم الطفل اللغات والعربية والمهارات التعليمية، بل نهتم أولًا ببناء شخصيته ونفسيته وثقته بنفسه، لأن الطفل السوي نفسيًا هو القادر على النجاح والتفوق في المستقبل." .. وأوضحت أن الحضانة تعتمد على برامج متكاملة تشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية، وتعمل على بناء علاقة صداقة وثقة بين الطفل والمعلمين، بما يحقق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة للإبداع .. وفي ختام تصريحاتها، وجهت الدكتورة غادة يسري رسالة إلى المسؤولين والجهات المعنية قائلة : "أناشد جميع المسؤولين، وعلى رأسهم عميد كلية علوم الإعاقة، وقيادات التربية والتعليم، وكافة الجهات التنفيذية والمجتمعية، بضرورة تقديم المزيد من الدعم والمساندة لأطفال ذوي الهمم، والعمل على دمجهم في الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والتعليمية بصورة أوسع، فهم يمتلكون طاقات وقدرات عظيمة تحتاج فقط إلى من يؤمن بها ويمنحها الفرصة الحقيقية للظهور والإبداع. إن رعاية أطفال ذوي الهمم ليست مسؤولية جهة واحدة، بل واجب وطني وإنساني يشارك فيه الجميع من أجل بناء مجتمع أكثر عدالة واحتواءً وإنسانية." .. وتبقى قصة الدكتورة غادة محمد يسري واحدة من النماذج المصرية المشرفة التي تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُصنع بالظروف السهلة، بل بالإرادة الصلبة والإيمان بالحلم والوفاء لمن كانوا سببًا في الوصول إليه .
تعليقات
إرسال تعليق