بقلم المحامية هاجر محمد حسني
لم تعد جرائم هتك العرض والاعتداء على الحياء العام مجرد وقائع فردية عابرة، بل أصبحت مشاهد متكررة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي وتثير حالة من الغضب والخوف داخل المجتمع.
خلال الأشهر الأخيرة تداول المواطنون عشرات المقاطع والوقائع التي تضمنت أفعالًا صادمة ارتُكبت في الطرق العامة وأمام المارة، بعضها أمام أطفال، وبعضها أمام أسر كاملة، في مشاهد تمثل اعتداءً ليس فقط على الضحية المباشرة، وإنما على المجتمع بأسره.
إن أخطر ما في هذه الجرائم أنها لا تنتهك جسد الضحية فقط، بل تنتهك الشعور العام بالأمان. فحين تخشى المرأة السير في الطريق، ويخشى الأب على أطفاله من مشاهدة أفعال تخدش حياءهم، ويشعر المواطن أن الشارع لم يعد مكانًا آمنًا، فإننا لا نكون أمام جريمة فردية، بل أمام تهديد حقيقي للسلم الاجتماعي.
لقد أدرك المشرع المصري خطورة هذه الجرائم، ولذلك أحاطها بعقوبات مشددة. فنصت المادة 268 من قانون العقوبات على أن:
"كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالسجن المشدد."
كما شدد القانون العقوبة في حالات معينة، وخاصة إذا كان المجني عليه طفلًا أو توافرت ظروف تستوجب تشديد العقاب.
ولم يكتف المشرع بذلك، بل جرم أيضًا أفعال التعرض للغير في الطريق العام والتحرش الجنسي والأفعال الفاضحة العلنية، إدراكًا منه أن حماية الكرامة الإنسانية تبدأ من حماية الجسد والخصوصية والحياء العام.
إن المجتمع الذي يتسامح مع جرائم الاعتداء على العرض يدفع ثمن ذلك غاليًا. فهذه الجرائم تترك ندوبًا نفسية قد تلازم الضحايا سنوات طويلة، وتدمر الشعور بالأمان، وتزرع الخوف في نفوس الأطفال والنساء، وتؤدي إلى حالة من الاحتقان المجتمعي وفقدان الثقة في البيئة المحيطة.
ولا يجوز النظر إلى مرتكب هذه الأفعال باعتباره مجرد شخص سيئ السلوك، فالقانون ينظر إليه باعتباره جانيًا ارتكب فعلًا يمس أحد أهم الحقوق التي كفلها الدستور والقانون، وهو الحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.
ومن هنا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بتوقيع العقوبات الرادعة، وإنما أيضًا بسرعة الإبلاغ عنها، ودعم الضحايا، ونشر الوعي القانوني، ورفض أي محاولة لتبرير الجريمة أو التقليل من خطورتها.
إن الشارع ملك للجميع، وليس ساحة مفتوحة لمن يريد الاعتداء على الآخرين أو انتهاك خصوصيتهم أو كرامتهم. ومن حق كل امرأة وكل طفل وكل مواطن أن يسير آمنًا دون خوف من متحرش أو معتدٍ أو صاحب سلوك منحرف.
إن تطبيق القانون بحزم ليس انتقامًا من الجاني، بل حماية للمجتمع بأكمله. فحين يشعر المجرم أن العقاب حتمي وسريع، تتراجع الجريمة، ويستعيد المواطن ثقته في أن القانون ما زال قادرًا على حماية كرامته وأمنه وحقه في الحياة الآمنة.
ولهذا فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة وحاسمة: لا تسامح مع جرائم هتك العرض، ولا تهاون مع الاعتداء على الكرامة الإنسانية، ولا مكان في المجتمع لمن يعتقد أن جسد الآخرين أو حياءهم أو أمنهم النفسي يمكن أن يكون مجالًا للعبث أو الانتهاك

تعليقات
إرسال تعليق