بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن في حياة الصحابي الجليل الذي أحبة رسول الله صلي الله عليه وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنهما الكثير والكثير من الدروس والعبر والعظات، فقد استشهد والده زيد بن حارثة رضي الله عنه زوج أم أيمن ووالد أسامة في غزوة مؤتة، واستشهد أيمن ابنها وأخو أسامة من أمه في غزوة حُنين، وعلى الرغم من حداثة سن أسامة رضي الله عنه الا أنه كان مؤمنا صلبا، قويا، يحمل كل تبعات دينه في ولاء كبير، ولقد كان مفرطا في ذكائه، مفرطا في تواضعه، وحقق هذا الأسود الأفطس ميزان الدين الجديد، وقبل وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعامين خرج أسامة بن زيد أميرا على سرية للقاء بعض المشركين، وهذه كانت أول امارة يتولاها، وقد أخذ فيها درسه الأكبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى صغر سنه، فقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش المسلمين المتوجه لغزو الروم في الشام، وجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين، وجاء دور عبد الله بن عمر، فأعطاه عمر نصيبه، ثم جاء دور أسامة بن زيد، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبد الله، وإذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الإسلام، فقد خشي عبد الله بن عمر أن يكون مكانه في الإسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه، أن يكون عند الله من السابقين، وهنالك سأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أباه قائلا" لقد فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يشهد؟ فأجابه عمر رضي الله عنه إن أسامة كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك.
وأبوه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك" فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه ما لم يبلغه ابن عمر، وما لم يبلغه عمر بذاته ؟ إنه أسامة بن زيد، الذى كان لقبه بين الصحابة الحبّ بن الحبّ ، فأبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول صلى الله عليه وسلم على أبيه وأمه وأهله، والذي وقف به النبي صلى الله عليه وسلم على جموع أصحابه يقول " أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه" وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبني، وأسامة هذا ابنه، وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته، لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء، أي شيء، فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون أسود، أفطس، أجل، بهاتين الكلمتين.
لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة ولكن، متى كان الإسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس؟ ومتى، ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول" ألا ربّ أشعث، أغبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه" فلندع الشكل الخارجي لأسامة إذن ، لندع بشرته السوداء، وأنفه الأفطس، فما هذا كله في ميزان الإسلام مكان، ولننظر ماذا كان في ولائه ؟ ماذا كان في افتدائه ؟ في عظمة نفسه، وامتلاء حياته ؟ فلقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديره.

تعليقات
إرسال تعليق