بقلم : هبة. فرحات
هناك فرق كبير بين الكراهية وخيبة الأمل، وبين الحقد والخذلان. فالكراهية شعور صاخب يستهلك صاحبه قبل أن يصل إلى من يكرهه، أما الخذلان فهو صمت ثقيل يسكن القلب بعد أن تنكسر فيه صورة شخص كان يومًا يعني الكثير.
لهذا قد يقول الإنسان: "أنا لا أكرهك"، وهو صادق تمامًا فيما يقول. فلا يحمل في قلبه رغبة في الانتقام، ولا يتمنى الأذى لمن تسبب له في الألم، لكنه في الوقت ذاته لم يعد قادرًا على منحه المكانة نفسها التي كانت له يومًا. فبعض الجروح لا تخلق الكراهية، بل تقتل الثقة، وهناك فرق شاسع بين الأمرين.
وعندما نقرأ العبارة: "إذا أمطرت الدنيا مغفرة أتمنى أن تكون الشخص الوحيد الذي يحمل مظلة"، فإننا لا نقرأ كلمات قاسية بقدر ما نقرأ حجم وجع عميق ترك أثره في النفس. إنها ليست دعوة للانتقام، بل وصف لحالة إنسانية مؤلمة يصل إليها المرء عندما يشعر أن من آذاه لم يكتفِ بجرحه، بل استحق أن يُحرم من ذلك العفو الذي يُمنح للآخرين.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى التسامح، ويحاول أن يلتمس الأعذار، ويبحث عن المبررات، خاصة لمن أحبهم بصدق. لكنه أحيانًا يكتشف أن بعض الأشخاص لم يخطئوا مرة واحدة، بل جعلوا الأذى عادة، والخذلان منهجًا، واستنزفوا كل فرص الاعتذار والتجاوز. عندها لا يبقى في القلب غضب بقدر ما يبقى يقين بأن المسافات أصبحت ضرورة، وأن العودة إلى النقطة الأولى لم تعد ممكنة.
إن أصعب أنواع الألم ليست تلك التي تأتي من الغرباء، بل التي تأتي من أشخاص منحناهم الثقة الكاملة. فالطعنة التي تأتي من بعيد يمكن احتمالها، أما الطعنة التي تأتي من يد كنا نتمسك بها خوفًا من السقوط، فهي التي تترك أثرًا لا يمحوه الزمن بسهولة.
ومع ذلك، فإن الحياة تعلمنا أن نترك الأبواب مفتوحة للسلام الداخلي، لا من أجل الآخرين بل من أجل أنفسنا. فالتسامح أحيانًا يكون تحريرًا للروح من ثقل الذكريات، لكنه لا يعني أبدًا إعادة الثقة لمن أهدرها، ولا إعادة المكانة لمن لم يحافظ عليها.
لذلك قد لا نكره من أساء إلينا، وقد لا نتمنى له الشر، لكننا نتمنى فقط ألا يمر من الطريق الذي يمر منه أصحاب القلوب النقية. ليس لأننا أكثر قسوة، بل لأن بعض الدروس تكون باهظة الثمن، وبعض الخيبات تجعل القلب أكثر حذرًا في توزيع مشاعره.
وفي النهاية، يبقى أجمل انتقام من الخذلان هو أن نعيش بسلام، وأن نمضي إلى الأمام دون ضغينة، وأن ندرك أن من خسر محبتنا الصادقة قد خسر شيئًا لا تعوضه كل اعتذارات العالم.

تعليقات
إرسال تعليق