القائمة الرئيسية

الصفحات

 سعيد الماروق يحتفل بتخرج نجله.. عندما ينتصر الأب على الزمن وتصبح الأحلام ميراثًا للأبناء



الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 


في مشهد إنساني مؤثر خطف قلوب المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، احتفل المخرج اللبناني سعيد الماروق بتخرج نجله، في لحظة لم تكن مجرد مناسبة عائلية عابرة، بل بدت وكأنها تتويج لسنوات طويلة من الحب والتعب والدعم والإيمان بالمستقبل. الصورة التي جمعته بابنه لم تحمل فقط ملامح الفرح والفخر، وإنما اختزلت رحلة كاملة من الأبوة، تلك الرحلة التي تبدأ مع أول خطوة للطفل ولا تنتهي حتى وهو يعبر منصة التخرج نحو مرحلة جديدة من حياته.


وقد أرفق الماروق الصورة برسالة مؤثرة عبّر فيها عن اعتزازه الكبير بابنه، مؤكدًا أن مشاهدته وهو يعبر منصة التخرج كانت واحدة من أكثر اللحظات فخرًا في حياته، مشيدًا بجهده واجتهاده وقلبه الطيب، ومؤكدًا أنه سيظل الداعم الأكبر له مهما ابتعدت المسافات وتغيرت الظروف.


لكن خلف الكلمات البسيطة تختبئ قصة أكبر بكثير من مجرد تهنئة أب لابنه. فحين يتحدث الأب عن فخره بابنه، فهو في الحقيقة يتحدث عن سنوات من الأحلام التي زرعها بصمت، وعن مخاوف عاشها دون أن يعلنها، وعن ليالٍ طويلة كان يرى فيها مستقبل أبنائه أهم من مستقبله الشخصي. لذلك تبدو لحظات التخرج دائمًا مختلفة، لأنها لا تخص الطالب وحده، بل تخص العائلة بأكملها.


ويُعد سعيد الماروق واحدًا من أبرز المخرجين اللبنانيين والعرب الذين تركوا بصمة واضحة في عالم الصورة والإخراج، حيث قدم عشرات الأعمال المصورة والدرامية والسينمائية على مدار سنوات طويلة، بعد رحلة فنية بدأت من الدراسة الأكاديمية للإخراج والسينما قبل أن يتحول إلى أحد أبرز صناع الصورة في العالم العربي. وقد تعاون مع عدد كبير من نجوم الغناء والدراما وقدم أعمالًا تركت تأثيرًا واضحًا في المشهد الفني العربي.


ورغم النجاح المهني الذي حققه الماروق طوال مسيرته، فإن الصورة الأخيرة كشفت جانبًا مختلفًا من شخصيته، جانب الأب الذي يرى في نجاح ابنه إنجازًا يفوق أي جائزة أو تكريم مهني. فهناك لحظات في حياة الإنسان تتراجع فيها الأضواء والإنجازات الشخصية إلى الخلف، ليبقى نجاح الأبناء هو البطولة الحقيقية التي ينتظرها الآباء.


ومن الناحية الإنسانية، فإن مشهد التخرج يحمل رمزية خاصة للغاية. إنه ليس مجرد الحصول على شهادة أكاديمية، بل إعلان رسمي عن انتهاء مرحلة وبداية أخرى. إنه اللحظة التي يدرك فيها الأبوان أن الطفل الذي كان يحتاج إلى الإمساك بأيديهما أصبح قادرًا على السير بمفرده في طريق الحياة. وربما لهذا السبب تختلط في مثل هذه المناسبات مشاعر الفرح بالفخر وبشيء من الحنين أيضًا.


وتكشف رسالة سعيد الماروق لنجله عن فلسفة أبوية نادرة، تقوم على الدعم غير المشروط. فهو لم يتحدث فقط عن النجاح الدراسي، بل ركز على القيم الإنسانية مثل الاجتهاد والالتزام والطيبة، وكأنه يوجه رسالة غير مباشرة مفادها أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالشهادات وحدها، وإنما بالشخصية التي يصنعها الإنسان لنفسه خلال رحلته.


وفي عالم اليوم الذي أصبح النجاح فيه مرتبطًا غالبًا بالأرقام والشهرة والمكاسب المادية، تبدو هذه الرسالة بمثابة تذكير مهم بأن أعظم الإنجازات قد تكون أحيانًا بعيدة تمامًا عن الأضواء. فالأب الذي يرى ابنه يحقق أحلامه يشعر بأنه انتصر على الزمن نفسه، لأن جزءًا منه سيستمر في الحياة من خلال هذا الابن الذي يحمل قيمه وأفكاره وأحلامه.


كما أعادت الصورة إلى الأذهان الوجه الإنساني للمشاهير، ذلك الوجه الذي غالبًا ما يختفي خلف الكاميرات والمشروعات الفنية والأخبار اليومية.


 فمهما بلغت شهرة الفنان أو المخرج أو النجم، يبقى في النهاية أبًا أو أمًا يعيش المشاعر نفسها التي يعيشها أي إنسان آخر. وربما لهذا السبب لاقت الصورة تفاعلًا واسعًا من الجمهور، لأن الناس لم يروا فيها المخرج الشهير فقط، بل رأوا الأب الذي يحتفل بنجاح ابنه بكل الحب والفخر.


ومن منظور فلسفي أعمق، فإن الأبوة في جوهرها هي محاولة مستمرة لترك أثر جميل في العالم. الإنسان يعلم أنه لن يبقى إلى الأبد، لكنه يحاول أن يزرع شيئًا يستمر بعده، سواء كان علمًا أو فنًا أو قيمة أو ابنًا يحمل امتدادًا لروحه. ولهذا تصبح لحظات مثل التخرج أشبه بإعلان انتصار صغير للحياة نفسها، حيث تنتقل الخبرات والأحلام والطموحات من جيل إلى جيل.


وربما كانت أجمل عبارة حملتها رسالة سعيد الماروق هي تأكيده أنه سيظل الداعم الأكبر لنجله مهما ابتعدت المسافات. فهذه الجملة تختصر المعنى الحقيقي للأبوة؛ أن يكون الأب سندًا دائمًا، لا يختفي حضوره مع كبر الأبناء، بل يتحول من يد تمسك بهم إلى ظهر يستندون إليه كلما احتاجوا.


و، لم تكن صورة سعيد الماروق مع نجله مجرد لقطة تذكارية من حفل تخرج، بل كانت صورة مليئة بالمعاني الإنسانية النبيلة. صورة تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُصنع فقط في مواقع التصوير أو خلف الكاميرات أو على منصات التكريم، بل يُصنع أيضًا داخل البيوت، حين يرى الآباء أبناءهم يكبرون ويحققون أحلامهم ويصبحون النسخة الأفضل من أنفسهم. وفي تلك اللحظة تحديدًا، يدرك الأب أن كل سنوات التعب كانت تستحق، وأن أجمل إنجازاته ربما لا يحمل توقيعه كمخرج، بل يحمل اسم ابنه وهو يعبر نحو مستقبله بثقة وفخر.

تعليقات