هاله المغاورى بفيينا
في مقر الأمم المتحدة بفيينا، شهدت الدورة الخامسة والثلاثون للجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية (CCPCJ) فعالية دولية جانبية حملت عنوان: “تزايد تعرض كبار السن لعمليات الاحتيال والإساءة.. كيف يمكن مواجهة هذه العمليات ومنعها؟”، بمشاركة خبراء في إنفاذ القانون والأمن السيبراني والوقاية من الجريمة من النمسا والولايات المتحدة، إلى جانب ممثلين عن منظمات المجتمع المدني الدولية.
ونُظمت الفعالية من قبل جمعية تعزيز التفاهم الدولي (Association for the Promotion of International Understanding - APIU) بدعم من لجنة المنظمات غير الحكومية المعنية بالشيخوخة لدى الأمم المتحدة في فيينا (UN NGO Committee on Ageing Vienna)، وركزت على تنامي ظاهرة استهداف كبار السن بعمليات الاحتيال المالي والعاطفي والرقمي في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
افتتحت الفعالية السيدة سيغلينده تويفن (Sieglinde Teuwen)، رئيسة لجنة المنظمات غير الحكومية المعنية بالشيخوخة لدى الأمم المتحدة في فيينا (Chair of the UN NGO Committee on Ageing Vienna)، وعضو مجلس إدارة اللجنة منذ عام 2022 وممثلة جمعية تعزيز التفاهم الدولي داخل اللجنة.
وأكدت أن كبار السن باتوا من أكثر الفئات تعرضًا للجرائم الحديثة، مشيرة إلى أن المحتالين يستغلون التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي للوصول إلى الضحايا بطرق أكثر تعقيدًا واحترافية من أي وقت مضى.
وقالت إن العزلة الاجتماعية وضعف التواصل الإنساني يجعلان بعض كبار السن أكثر هشاشة أمام عمليات الاحتيال والإساءة، داعية إلى توفير برامج توعية رقمية سهلة الوصول، وتعزيز شبكات الدعم والحماية المجتمعية.
جون ريدمان: معلومات مضللة حول القنب وCBD تستهدف كبار السن
وتحدث السيد جون ريدمان (John Redman)، المدير التنفيذي لتحالف المجتمع من أجل شباب خالٍ من المخدرات (Executive Director, Community Alliance for Drug Free Youth - CADFY)، والمدير السابق لبرامج خفض الطلب على المخدرات في مناطق الاتجار بالمخدرات عالية الكثافة في كاليفورنيا (Former Director of Demand Reduction, California High Intensity Drug Trafficking Areas - HIDTA).
وسلط الضوء على الانتشار الواسع للمعلومات المضللة المتعلقة بمنتجات القنب ومادة CBD، والتي يتم تسويقها لكبار السن باعتبارها علاجًا لمجموعة واسعة من المشكلات الصحية.
وأوضح أن الأبحاث العلمية لا تدعم كثيرًا من الادعاءات الترويجية المنتشرة، محذرًا من مخاطر صحية محتملة تشمل اضطرابات الجهاز العصبي، وتسارع ضربات القلب، وتأثيرات سلبية على الكبد، خاصة لدى كبار السن الذين يعانون من أمراض مزمنة.
كما انتقد تحويل القنب إلى سلعة تجارية تخضع لمصالح السوق، داعيًا إلى اعتماد نهج يقوم على الأدلة العلمية والصحة العامة بدلًا من الاعتبارات الربحية.
وأكد أن السياسات المتعلقة بالقنب يجب أن تُبنى على نتائج الأبحاث والدراسات الطبية، لا على الحملات التسويقية أو الضغوط التجارية.
من جانبه، استعرض السيد روي فرانك (Roy Frank)، مدير مركز تنسيق إنفاذ القانون في سان دييغو (Director, San Diego Law Enforcement Coordination Center - SD-LECC)، والمقدم المتقاعد في إدارة شرطة مقاطعة سان دييغو (Retired Lieutenant, San Diego County Sheriff’s Department)، حجم الجرائم المالية التي تستهدف كبار السن في الولايات المتحدة.
وأوضح أن مراكز الدمج المعلوماتي (Fusion Centers) التي أُنشئت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر تلعب دورًا أساسيًا في تبادل المعلومات بين الجهات الفيدرالية والمحلية والولائية لمكافحة الجرائم المنظمة.
وأشار إلى أن السلطات الأمريكية أنشأت فرق عمل متخصصة تحت اسم “فريق عدالة كبار السن” (Elder Justice Task Force) لرصد الجرائم التي تستهدف المسنين وملاحقة مرتكبيها.
وكشف أن مقاطعة سان دييغو وحدها سجلت خلال عام 2025 أكثر من 4122 ضحية من كبار السن تعرضوا للاحتيال المالي، فيما تجاوزت الخسائر المسجلة 278 مليون دولار أمريكي.
وأضاف أن السلطات تمكنت من استعادة ما يقارب 10 ملايين دولار من الأموال المسروقة وإعادتها إلى الضحايا.
وتناول فرانك أنواع الجرائم الأكثر انتشارًا، ومنها الاحتيال المصرفي، وسرقة البيانات المالية، وعمليات الاحتيال عبر الإنترنت، إضافة إلى شبكات غسل الأموال والجرائم المنظمة العابرة للحدود.
أما السيد ديفيد إم. فويغت (David M. Voigt)، الممثل الوطني للوقاية من الجريمة ودعم الضحايا في جهاز الاستخبارات الجنائية بوزارة الداخلية النمساوية (National Representative for Crime Prevention and Victim Support at the Criminal Intelligence Service, Federal Ministry of the Interior of Austria)، وممثل النمسا لدى وكالة الشرطة الأوروبية يوروبول (Europol) والشبكة الأوروبية للوقاية من الجريمة (European Crime Prevention Network - EUCPN)، فقد تناول ظاهرة الاحتيال العاطفي التي تشهد انتشارًا متزايدًا في مختلف دول العالم.
وأوضح أن المحتالين يستغلون مشاعر الوحدة والحاجة إلى الاهتمام الإنساني لدى الضحايا، خصوصًا كبار السن، لبناء علاقات عاطفية وهمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التعارف.
وأشار إلى أن المحتالين يستخدمون أسلوبًا نفسيًا يعرف باسم “القصف العاطفي” (Love Bombing)، حيث يغمرون الضحية بالاهتمام والرسائل الإيجابية لإقامة علاقة قائمة على الثقة.
وأضاف أن المحتالين يتجنبون اللقاءات المباشرة أو مكالمات الفيديو، ويختلقون أعذارًا متكررة لتبرير ذلك، قبل الانتقال لاحقًا إلى طلب الأموال أو المساعدات المالية.
وأكد أن الوقاية والتوعية تبقيان أكثر الوسائل فعالية في مواجهة هذا النوع من الجرائم، داعيًا إلى تعزيز الثقافة الرقمية واستخدام وسائل الحماية الإلكترونية مثل المصادقة الثنائية، إضافة إلى تشجيع كبار السن على التحدث مع أسرهم وأصدقائهم بشأن أي علاقة أو تواصل مشبوه عبر الإنترنت.
وشهدت الجلسة نقاشًا حول إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الرقمية في التصدي لعمليات الاحتيال والتضليل.
وخلال المناقشات، طرحت جيني ألماكوا (Jenny Almacua) من الاتحاد الدولي لسيدات الأعمال والمهنيات (International Federation of Business and Professional Women) تساؤلًا حول إمكانية استخدام الخوارزميات ذاتها التي تستهدف المستخدمين في توجيه رسائل وقائية للفئات الأكثر عرضة للخطر.
ورأى فويغت أن الفكرة قابلة للتنفيذ من الناحية التقنية، إلا أن تطبيقها يواجه تحديات تتعلق بحماية البيانات والخصوصية، خاصة في ظل التشريعات الأوروبية الصارمة في هذا المجال.
وفي ختام الفعالية، أكدت السيدة غابرييله ستراسكي-بويلتسل (Gabriele Strasky-Poelzl)، عضو لجنة المنظمات غير الحكومية المعنية بالشيخوخة لدى الأمم المتحدة في فيينا (Member of the UN NGO Committee on Ageing Vienna) وممثلة تحالف المجتمع من أجل شباب خالٍ من المخدرات في الأمم المتحدة منذ عام 2024، أن الرسالة الأساسية للفعالية تتجاوز الجوانب الأمنية والتقنية.
وأشارت إلى أن كثيرًا من ضحايا الاحتيال العاطفي والمالي لم يكونوا يبحثون عن المال أو المكاسب، بل كانوا يبحثون عن الاهتمام الإنساني والشعور بالتقدير والانتماء.
وشددت على أن أفضل وسيلة لحماية كبار السن تبدأ من الأسرة والمجتمع، من خلال تعزيز التواصل معهم وإشراكهم في الحياة الاجتماعية وعدم تركهم فريسة للعزلة والوحدة.
واختتم المشاركون أعمال الفعالية بالتأكيد على أن مواجهة الجرائم التي تستهدف كبار السن تتطلب تعاونًا دوليًا وتكاملًا بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وشركات التكنولوجيا، إلى جانب بناء ثقافة مجتمعية قائمة على الوعي والرعاية والاحترام لكبار السن.

تعليقات
إرسال تعليق