بقلم/ صلاح متولي
في عمق المحاكم المصرية، خلف أطنان من الملفات المكدسة، تختبئ حكايات آلاف الأسر التي تعيش في "برزخ" قانوني. لم يعد قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد نصوص تشريعية تنظم العلاقات الأسرية، بل تحول بمرور العقود إلى ساحة معركة مفتوحة، طرفاها طموحات التغيير ونصوص بالية يعود بعضها إلى عشرينات القرن الماضي.
بين أب يطالب برؤية طفله دون قيود مجحفة، وأم تطارد نفقة لا تسمن ولا تغني من جوع في دهاليز محاكم الأسرة، يظل السؤال معلقاً: متى يولد "القانون الحلم" الذي يحقق التوازن الاستراتيجي داخل البيت المصري؟
إرث ثقيل ونصوص تجاوزها الزمن
تستند قوانين الأحوال الشخصية الحالية في مصر إلى تشريعات قديمة (أبرزها القانون رقم 25 لسنة 1920 والقانون رقم 25 لسنة 1929)، ورغم إدخال تعديلات عديدة عليها عبر السنوات (مثل قانون الخلع عام 2000)، إلا أن المنظومة القضائية والتشريعية ما زالت تواجه اتهامات بالبطء والقصور عن مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يمر بها المجتمع.
يقول خبراء القانون إن الأزمة ليست في فلسفة التشريع نفسها، بل في الإجراءات التنفيذية. فالمرأة التي تحصل على حكم بالنفقة قد تقضي شهوراً، وربما سنوات، في محاولة تنفيذه بسبب ثغرات "إثبات الدخل" وتلاعب بعض الآباء بمدخراتهم وحساباتهم البنكية للتهرب من المسؤولية.
مثلث الأزمات: الرؤية، الاستضافة، والولاية التعليمية
عندما يقع الطلاق، يتحول الأطفال غالباً إلى "أوراق ضغط" بين الطرفين. وهنا تبرز ثلاثة ملفات شائكة تثير الجدل الأوسع في الشارع المصري:
أزمة الرؤية والاستضافة: يمنح القانون الحالي الأب غير الحاضن الحق في رؤية أطفاله لثلاث ساعات أسبوعياً في مراكز الشباب أو الأندية الاجتماعية، وهو ما يصفه الآباء بـ "العقوبة المهينة". وتتعالى المطالبات بإقرار حق "الاستضافة" (أن يقضي الطفل الإجازات مع والده)، بينما تخشى الأمهات من استغلال هذا الحق لتهريب الأطفال خارج البلاد أو خطفهم.
ترتيب الحضانة: ما زال النقاش محتدماً حول إسقاط الحضانة عن الأم بمجرد زواجها بأجنبي، ونقلها إلى الجدة للأم، وسط مطالبات برفع ترتيب الأب في منظومة الحضانة ليكون تالياً للأم مباشرة.
الولاية التعليمية والمالية: رغم التسهيلات القانونية الأخيرة، لا تزال الأمهات يواجهن عقبات بيروقراطية في إدارة شؤون أطفالهن التعليمية والمالية بعد الطلاق، مما يضع مستقبل الأطفال في مهب الخلافات الشخصية.
"إن العدالة البطيئة هي ظلم مقنع. عندما تستغرق قضية نفقة أو تمكين من مسكن الزوجية سنوات، فإن الضحية الحقيقية ليست الأم أو الأب، بل جيل كامل من الأطفال ينشأ مشوهاً نفسياً واجتماعياً."
صندوق الأسرة المصرية: أمل جديد أم عبء إضافي؟
في إطار السعي الرسمي لحل الأزمة، طُرحت في السنوات الأخيرة مبادرات جادة لعل أبرزها مشروع "صندوق دعم الأسرة المصرية"، والذي يهدف إلى تأمين الرعاية المالية للأطفال في فترة النزاع القضائي وقبل صدور الأحكام النهائية.
ورغم أن الخطوة حظيت بترحيب حقوقي واسع كونها توفر شبكة أمان عاجلة، إلا أن الجدل يثور دائماً حول آليات تمويل الصندوق ومدى قدرته على استيعاب الأعداد الضخمة من حالات الطلاق التي تسجلها المؤشرات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنوياً.
المعادلة الصعبة: كيف يبدو القانون العادل؟
إن صياغة قانون جديد للأحوال الشخصية في مصر تشبه السير في حقل ألغام؛ فالقانون يجب أن يوازن بدقة متناهية بين:
الشريعة الإسلامية: باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع وفقاً للدستور.
الاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان: التي وقعت عليها مصر لضمان حقوق المرأة والطفل.
الواقع الرقمي والمعيشي: الذي يتطلب رقمنة كاملة لإجراءات التقاضي وإثبات الدخول لإنهاء مأساة "بطء العدالة".
خاتمة: في انتظار الثورة التشريعية
لا يحتاج المجتمع المصري إلى مسكنات قانونية جديدة أو تعديلات مجتزأة تسد ثغرة لتفتح أخرى. إن الحاجة باتت ملحة إلى ثورة تشريعية شاملة، تصيغ قانوناً يرى الأسرة ككيان واحد متكامل، لا كطرفين متصارعين في حلبة مصالح.
إن قانون الأحوال الشخصية القادم لن يكون مجرد نصوص في كتاب القانون، بل سيكون بمثابة مرآة تعكس هوية مصر الحديثة: فإما مجتمع يغرق في قضايا الانتقام الأسري، أو مجتمع يؤمن بأن كرامة الإنسان -أباً وأماً وطفلاً- هي أساس الاستقرار القومي.

تعليقات
إرسال تعليق