الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في عالم السينما، هناك أفلام تحتاج إلى شهور طويلة من الدعاية المكثفة حتى تلفت انتباه الجمهور، وهناك أفلام أخرى يكفي أن يرتبط اسمها بنجم معين حتى تتحول تلقائيًا إلى حديث الناس ومحركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي. وهذا تحديدًا ما يحدث مع فيلم «صقر وكناريا» للنجم محمد إمام، الذي استطاع أن يفرض حضوره بقوة على الساحة الفنية قبل عرضه الرسمي، متصدرًا اهتمامات قطاع كبير من الجمهور الذي ينتظر العمل بثقة كبيرة وتوقعات مرتفعة.
ومن بين الأمثال الشعبية المصرية التي يمكن أن تختصر هذه الحالة بدقة شديدة، يبرز المثل الشهير: "اللي له ضهر ما ينضربش على بطنه". والمقصود هنا ليس النفوذ أو القوة التقليدية، بل ذلك الرصيد الضخم من الثقة والمحبة الذي صنعه محمد إمام على مدار سنوات طويلة من العمل والاجتهاد والنجاحات المتتالية. فهذا الرصيد أصبح اليوم هو "الضهر" الحقيقي لأي عمل يحمل اسمه، وهو السبب الرئيسي وراء حالة الترقب الكبيرة لفيلم «صقر وكناريا» حتى قبل أن يراه الجمهور.
ما يميز محمد إمام عن كثير من أبناء جيله أنه لم يبنِ علاقته مع الجمهور على الظهور الإعلامي المستمر أو التصريحات المثيرة للجدل أو صناعة الضوضاء حول أعماله، بل اعتمد على قاعدة أكثر صعوبة وأكثر استدامة، وهي أن يجعل الجمهور يثق في اختياراته الفنية. وهذه الثقة لا تُشترى، ولا تُفرض بالإعلانات، ولا تُصنع عبر الحملات الممولة، وإنما تُكتسب بمرور الوقت من خلال النجاح المتكرر والقدرة على احترام توقعات المشاهد.
وعندما نتأمل مسيرة محمد إمام خلال السنوات الماضية، سنجد أن نجاحه لم يكن مرتبطًا بعمل واحد أو تجربة استثنائية، بل جاء نتيجة سلسلة طويلة من الاختيارات المدروسة التي حافظت على مكانته كنجم جماهيري يمتلك قاعدة واسعة من المتابعين. لذلك لم يكن غريبًا أن يتحول اسم «صقر وكناريا» إلى مادة للنقاش قبل عرضه، لأن الجمهور ببساطة أصبح يتعامل مع أعمال محمد إمام باعتبارها مشاريع تستحق الانتظار.
وفي الوسط الفني هناك قاعدة غير مكتوبة تقول إن أصعب شيء يمكن أن يحققه الفنان هو بناء الثقة. فمن السهل أن يحقق الممثل نجاحًا مؤقتًا، ومن السهل أن يتصدر التريند ليوم أو أسبوع، لكن من الصعب جدًا أن يصل إلى مرحلة يقرر فيها الجمهور مسبقًا مشاهدة عمله لمجرد وجود اسمه على الملصق الدعائي. وهذه المرحلة تحديدًا هي التي يبدو أن محمد إمام وصل إليها بجدارة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في حالة «صقر وكناريا» أن الإشادات بدأت قبل العرض الفعلي. فالجمهور يتحدث عن الفيلم بحماس، ورواد مواقع التواصل يناقشون تفاصيله، ومحركات البحث تسجل معدلات اهتمام مرتفعة باسمه، وكأن العمل بدأ رحلته الجماهيرية قبل أن تبدأ رحلته السينمائية. وهذه الظاهرة لا تتكرر كثيرًا، لأنها تحتاج إلى نجم يمتلك رصيدًا من الثقة يسمح للجمهور بأن يمنحه فرصة مسبقة قبل أن يحكم على النتيجة النهائية.
وكما يقول المثل الشعبي المصري: "الاسم الحلو يفتح الأبواب المقفولة". واسم محمد إمام أصبح بالفعل من الأسماء القادرة على جذب الانتباه وصناعة حالة من الفضول المشروع حول أي مشروع فني جديد يشارك فيه. ليس لأن الجمهور يجامل أو يبالغ في التوقعات، بل لأنه اعتاد أن يجد وراء هذا الاسم أعمالًا تم اختيارها بعناية.
والحقيقة أن الذكاء الفني أصبح عملة نادرة في زمن السرعة. فالكثير من النجوم يسعون إلى الظهور المستمر بأي شكل، بينما يفضل محمد إمام أن تكون أعماله هي التي تتحدث عنه. وهذه السياسة قد تبدو هادئة ظاهريًا، لكنها في الواقع تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة السوق والجمهور. فهو يدرك أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالصخب، وإنما بتحقيق معادلة صعبة تجمع بين المتعة والجماهيرية والاختيار السليم.
ومن هنا يمكن فهم سبب الثقة الكبيرة المحيطة بفيلم «صقر وكناريا». فالجمهور لا ينتظر الفيلم فقط لأنه جديد، بل لأنه يحمل توقيع نجم أثبت أكثر من مرة أنه يعرف ماذا يقدم ومتى يقدم وكيف يقدمه. وهذه الخبرة المتراكمة هي التي جعلت كثيرين يتوقعون نجاح العمل قبل أن تبدأ أولى عروضه.
وكما يقول المصريون: "اللي يعرف الأصول عمره ما يضيع". ومحمد إمام أثبت خلال مشواره أنه يعرف أصول اللعبة الفنية جيدًا. فهو لا يندفع وراء أي مشروع، ولا يعتمد على التواجد لمجرد التواجد، بل يتعامل مع كل خطوة باعتبارها جزءًا من مسيرة طويلة يجب الحفاظ على جودتها ومكانتها أمام الجمهور.
ومن اللافت أيضًا أن الحديث عن «صقر وكناريا» لا يرتبط فقط بالفيلم نفسه، بل يمتد إلى شخصية محمد إمام الفنية. فالكثير من المتابعين يرون أنه أصبح واحدًا من النجوم الذين يملكون بصمة خاصة داخل السينما المصرية، بصمة قائمة على المزج بين الجماهيرية والوعي باختيار الأعمال المناسبة. لذلك فإن أي مشروع جديد له يتحول تلقائيًا إلى حدث يستحق المتابعة.
وفي زمن أصبحت فيه بعض الأعمال تعتمد بشكل شبه كامل على الحملات الإعلانية الضخمة من أجل إثبات وجودها، يبرز نموذج مختلف يعتمد على قوة الاسم والثقة المتراكمة. وهنا يمكن استحضار مثل شعبي آخر يقول: "الطيب سمعته تسبقه". فقبل أن يُعرض الفيلم، سبقت سمعة محمد إمام العمل نفسه، وسبقت ثقة الجمهور كل أشكال الترويج التقليدية.
وربما لهذا السبب يرى كثيرون أن محمد إمام لا يحتاج إلى إشادات مصطنعة بعد عرض الفيلم، لأنه في الأصل لا يدخل السباق الفني بحثًا عن شهادات النجاح، بل يدخل وهو يحمل بالفعل شهادة منحها له الجمهور على مدار سنوات طويلة. والجمهور عادة لا يمنح هذه الشهادة بسهولة، لكنه عندما يمنحها لفنان فإنه يصبح مستعدًا لمنحه فرصة جديدة في كل مرة.
ف، تبقى حالة «صقر وكناريا» نموذجًا واضحًا لكيفية صناعة الثقة الحقيقية بين الفنان وجمهوره. فقبل العرض، نجح الفيلم في إثارة الاهتمام، ونجح محمد إمام في تصدر المشهد، ونجح اسمه في أن يكون حديث الجمهور دون الحاجة إلى ضجيج مبالغ فيه. وهذا في حد ذاته إنجاز لا يقل أهمية عن أي نجاح يتحقق بعد العرض. فهناك نجوم ينتظرون رأي الجمهور ليكتسبوا الثقة، وهناك نجوم يدخلون أعمالهم وهم يحملون هذه الثقة بالفعل، ومحمد إمام يبدو اليوم واحدًا من هؤلاء القلائل الذين أصبح اسمهم وحده كافيًا لفتح أبواب الترقب والاهتمام، لأن الجمهور ببساطة أصبح يعرف أن وراء الاسم فنانًا يفكر جيدًا، ويختار بعناية، ويحترم عقل المشاهد قبل أي شيء آخر.

تعليقات
إرسال تعليق