القائمة الرئيسية

الصفحات

اذا كان الوعي في العُلا... فأنتِ الثريا


بقلم: جيهان عطية سويلم


في رحلة الإنسان بين الفكر والشعور، يبقى السؤال الأزلي حاضرًا: أيهما يقود الآخر، العقل أم القلب؟ وهل يستطيع أحدهما أن يستغني عن الآخر؟ فالعقل نور البصيرة الذي يزن الأمور ويقيسها بالحكمة، بينما القلب هو موطن الإحساس ومصدر الرحمة والصدق والمحبة. وبين هذا وذاك، تتشكل شخصية الإنسان، وتتجلى حقيقة وعيه.

شتّان بين العقل والقلب، فلكل منهما لغته الخاصة، ولكل منهما دوره الذي لا يكتمل الوجود الإنساني إلا به. العقل يحتمل ويحلل ويوازن، أما القلب فيشعر ويحتوي ويتألم ويفرح. لكن أجمل ما في الإنسان ليس أن يكون أسير العقل وحده أو تابعًا للقلب وحده، بل أن يرتقي بوعيه حتى يصبح قادرًا على الجمع بين نور الحكمة ودفء المشاعر.


فالوعي الحقيقي ليس مجرد معرفة أو ثقافة أو كثرة معلومات، بل هو حالة من النضج الإنساني والصفاء الداخلي، تجعل الإنسان يرى ما وراء الظواهر، ويدرك قيمة الأشياء بعيدًا عن ضجيج الحياة وتقلباتها. إنه ذلك النور الخفي الذي يوجه الروح نحو السكينة، ويجعل صاحبَه أكثر اتزانًا ورحمة وفهمًا لنفسه وللآخرين.


وإذا كان الوعي في العُلا، فأنتِ الثريا.


الثريا ليست مجرد مجموعة من النجوم تتلألأ في السماء، بل هي رمز للسمو والرفعة والضياء. وحين يُشبَّه الإنسان بالثريا، فإنما يُراد بذلك الإشارة إلى ذلك الحضور المشرق الذي يبدد العتمة، وإلى ذلك الأثر الجميل الذي يتركه في القلوب دون ضجيج أو ادعاء.


أنتِ الثريا، اللؤلؤة المكنون التي ينعكس بريقها على الأرواح من حولها. ومن شدة لمعانها لا تكتفي بإضاءة الطريق، بل توقظ البصيرة وتبعث الأمل في النفوس. فهناك أشخاص لا يغيرون العالم بكثرة كلامهم، وإنما بجمال وعيهم، وصدق حضورهم، ونقاء أرواحهم.


وبضيائك ترتفع الأرواح، لأن الوعي الراقي لا يرفع صاحبه وحده، بل يمتد أثره إلى كل من يقترب منه. إنه كالشعاع الذي يمنح الدفء دون أن يحترق، وكالنبع الذي يمنح الحياة دون أن ينتظر مقابلًا. فالإنسان الواعي يصبح مصدر طمأنينة، ومرفأ أمان، ونافذة يطل منها الآخرون على معنى أعمق للحياة.


ويا محلاكِ في السماء، كعنقود نجمي يتلألأ بين الظلمات، متشبثًا بنوره، متزينًا بالرضا والسكون. هناك حيث لا مكان للصخب ولا للفوضى، بل مساحة رحبة من السلام الداخلي الذي يولد حين يتصالح الإنسان مع نفسه، ويعرف قيمته الحقيقية، ويدرك أن الجمال لا يُقاس بالمظهر وحده، بل بما يحمله القلب من صفاء، وما يملكه العقل من حكمة، وما يثمره الوعي من نور.


هناك... حيث يلتقي الجمال بالوعي، ويصافح النور الطمأنينة، تولد أعظم صور الإنسان. إنسان يرى بعين القلب، ويفكر بعقل الحكمة، ويسير في الحياة بروحٍ تعرف أن أسمى درجات الجمال ليست في الملامح، بل في ذلك الضوء الداخلي الذي لا يخبو أبدًا.


فإذا كان الوعي في العُلا... فأنتِ الثريا.

تعليقات