القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم / محمـــد الدكـــروري

فقد أملى الإمام أبو حنيفة وكتب الأحاديث النبوية، فقد أخذ أحاديث كثيرة من رواته الأعلام، حتى جمع منه صناديق، وانتخب الآثار التي قال بها من أربعين ألف حديث، وقد أخذ حديث الكوفة والعراق وغيرها، غير أنه شُغل عن رواية الحديث بفقه الحديث وفهمه وجمع نصوصه، وقد رُوي عن يحيى بن نصر بن حاجب أنه قال سمعت أبا حنيفة يقول "عندي صناديق من الحديث ما أخرجت منها إلا اليسير الذي يُنتفع به" ولقد جُمع حديث أبي حنيفة في سبعة عشر مسندا، وكان أبو حنيفة أول من صنف في الحديث النبوي الشريف مرتبا على أبواب الفقه، ويمكن أن تستخلص الآراء الكلامية لأبي حنيفة من مصنفاته أو من شروح الشراح لهذه المصنفات. 


ومن آرائه المتناثرة هو دفاعه عن النظر، فيرى الإمام أبو حنيفة ضرورة النظر، ويؤيد قيام علم الكلام والحاجة إليه، ويدفع دعاوى المعارضين للاشتغال بعلم الكلام، محتجين بأنه لم يرد اشتغال النبي صلى الله عليه وسلم به ولا الصحابة من بعده، ويرد عليهم بأن الحاجة إلى علم الكلام في ذلك العصر لم تكن قائمة، ولكن بعد ذلك العصر ظهرت الحاجة إلى هذا العلم، وهذه الحاجة متمثلة في ظهور فرق انحرفت عن قواعد الدين، وظهور الخلاف بين المسلمين، فظهرت بذلك ضرورة الحاجة إلى الكلام، ثم يذكر الإمام فوائد الكلام فهو يوفقنا إلى معرفة الخطأ والصواب، والتفرقة بينهما ويساعدنا على إزالة الشبهة ومعرفة المخطئ والمصيب، وكذلك معرفة الله بالاستدلال. 


فيرى أبو حنيفة وجوب النظر في معرفة الصانع سبحانه وتعالى، ويرى أنه لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، وأن أول الواجبات على المكلف هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله وصفاته، ثم النظر والاستدلال المؤدي إلى جواز إرسال الرسل وتكليف العباد، ثم الاستدلال بالمعجزات على صدق الرسل، ثم الاستدلال المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة، إلا أن أبا حنيفة لا يعني بالنظر على طريقة المتكلمين وتفصيلاتهم وتفريعاتهم التي قد تعسر على العامة، ولكن يعني وجوب النظر والاستدلال على كل واحد بحسب ما تيسر له والنظر في الكون وما فيه يؤدي إلى معرفة الله تعالى، ويضرب لذلك مثلا أنه كما يحيل العقل، ويجزم الاستحالة في سفينة مشحونة بالأحمال، أحاط بها من جهة أمواج متلاطمة.


ورياح مختلفة تهب من كل جهة، أن تجري بنفسها مستوية لا تميل إلى طرف ولا تقف وقفة مع تصادم الرياح، دون أن يقودها أحد، فكذلك يستحيل في العقل قيام هذا العالم من السموات والأرض وما فيهما بنفسه على اختلاف أحواله من حركات السموات والكواكب والأرض، واختلافها في الكيفيات، وما خص به الإنسان من الهيئات واستجماع أنواع الكمالات، وما يختص به سائر الموجودات، وتغير أموره من تعاقب الضوء والظلمات، وتغير أحوال الحيوانات والمعادن والنبات من غير صانع، واجب بالذات واحد موصوف بصفات الكمال، منزه عن سمات التغير والزوال، وتغير أحوال الحيوانات والمعادن والنبات من غير صانع، واجب بالذات واحد موصوف بصفات الكمال. 


منزه عن سمات التغير والزوال، ومحدث يحدث العالم، وما اختلف فيه من الأحوال وتغير من الأعمال، وحافظ يحفظه من الاختلال وهذا يعني أن يبنى دليله على وجود الله تعالى عن طريق حدوث العالم إذ أن العالم وما فيه حادث متغير، وكل حادث فله مُحدث، وهي طريقة اعتمد عليها عامة 

المتكلمين.

تعليقات