القائمة الرئيسية

الصفحات

الجانب السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي وأثره على المجتمع


د. هبة المالكي


بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالمنصورة – جامعة الأزهر


أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان في العصر الحديث، فلم تعد مجرد وسيلة للتسلية أو تبادل الرسائل، بل تحولت إلى منصة عالمية تُستخدم في التواصل بين الأفراد، ونقل الأخبار والمعلومات، ومتابعة الأحداث الجارية، والتعبير عن الآراء والأفكار. وقد ساهمت هذه الوسائل في تقريب المسافات بين الناس وتسهيل الوصول إلى المعرفة في وقت قصير، إلا أن الإفراط في استخدامها كشف عن جوانب سلبية عديدة أثرت بشكل واضح على المجتمع بمختلف فئاته.


ومن أبرز هذه الآثار السلبية إضاعة الوقت نتيجة الاستخدام المفرط لهذه المنصات، حيث يقضي كثير من الشباب ساعات طويلة يوميًا في تصفح المحتويات المختلفة دون تحقيق فائدة حقيقية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مستوى التحصيل الدراسي والإنتاجية في العمل. كما أن الانشغال المستمر بوسائل التواصل أدى إلى تراجع الاهتمام بالواجبات اليومية والمسؤوليات الأسرية والاجتماعية.


كذلك أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إضعاف العلاقات الأسرية في بعض البيوت، إذ أصبح كل فرد منشغلًا بهاتفه الذكي لفترات طويلة، مما قلل من فرص الحوار والتواصل المباشر بين أفراد الأسرة. ومع مرور الوقت قد يؤدي هذا الانشغال إلى ضعف الروابط العائلية والشعور بالانعزال داخل المنزل الواحد، رغم وجود الجميع في المكان نفسه.


ومن الجوانب السلبية أيضًا انتشار بعض السلوكيات الخاطئة والألفاظ غير اللائقة نتيجة تقليد المحتويات السيئة التي تُعرض على بعض المنصات. فالكثير من المستخدمين، وخاصة صغار السن، يتأثرون بما يشاهدونه من تصرفات وسلوكيات قد لا تتوافق مع القيم والأخلاق السليمة، مما يؤدي إلى انتشار أنماط سلوكية غير مرغوب فيها داخل المجتمع.


وتُعد الشائعات والأخبار الكاذبة من أخطر المشكلات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المعلومات غير الموثوقة بسرعة كبيرة بين المستخدمين دون التحقق من صحتها. وقد يؤدي ذلك إلى إثارة القلق والخوف بين الناس، ونشر البلبلة، والتأثير على استقرار المجتمع، خاصة في أوقات الأزمات والأحداث المهمة.


كما تركت وسائل التواصل الاجتماعي آثارًا واضحة على الصحة النفسية لبعض الشباب، نتيجة المقارنات المستمرة بالآخرين ومتابعة الصور والمظاهر التي تعكس حياة مثالية قد لا تكون حقيقية في كثير من الأحيان. ويؤدي ذلك إلى شعور البعض بالنقص أو الإحباط أو العزلة، وقد تتطور هذه المشاعر إلى مشكلات نفسية تؤثر في ثقتهم بأنفسهم وعلاقاتهم الاجتماعية.


ومن هنا تبرز أهمية الاستخدام الواعي والمعتدل لوسائل التواصل الاجتماعي، بحيث يستفيد الإنسان من مزاياها العديدة دون أن يقع في سلبياتها. ويتحقق ذلك من خلال تنظيم الوقت، واختيار المحتوى المفيد، والتحقق من صحة الأخبار قبل نشرها، والحرص على تعزيز التواصل الأسري والإنساني المباشر.


وفي النهاية، تبقى التكنولوجيا سلاحًا ذا حدين، ويمكن للإنسان أن يجعلها وسيلة للنجاح والتقدم وبناء المعرفة، كما يمكن أن تتحول إلى سبب للمشكلات إذا أسيء استخدامها. ولذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق الفرد والأسرة والمؤسسات التعليمية في توجيه الاستخدام الصحيح لهذه الوسائل بما يخدم مصلحة المجتمع ويحافظ على قيمه وأخلاقه.

تعليقات