بقلم/مصطفى صبحي
في تاريخ مصر رجال ونساء لم يولدوا على أرضها، لكنهم ما إن وطئت أقدامهم ترابها حتى صاروا جزءًا من هويتها، وارتبطت أسماؤهم بتاريخها ارتباطًا لا ينفصم. ومن هؤلاء تبرز السيدة نفيسة، حفيدة بيت النبوة، التي دخلت مصر زائرة، فخرجت من الدنيا وهي من أحب الشخصيات إلى قلوب أهلها.
هي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وأمهاهي ابنة عم ابيها واسمها زينب بنت الحسن ابن الحسن ابن على ابن أبي طالب ينتهي نسبها إلى سبط رسول الله ﷺ. ولدت في ربيع الأول 145هجريا ونشأت في بيت عرف بالعلم والعبادة، فحفظت القرآن، وأقبلت على الفقه والذكر، حتى لُقبت في حياتها بـ«نفيسة العلم».ولدت بمكة ثم انتقلت للمدينة في سن خمس سنوات وتزوجت سنة161هجريامن إسحق المؤتمن ابن جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين ابن علي ابن ابي طالب وانجبت له محمد والحسن والحسين والقاسم وام كلثوم
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائة للهجرة قدمت إلى مصر، فاستقبلها أهلها استقبالًا عظيمًا، لما عرفوه من فضلها وصلاحها ونسبها الشريف. ولم يكن ذلك التقدير لجاه النسب وحده، بل لما رأوه من عبادتها وزهدها وإقبالها على تعليم الناس وتذكيرهم بالله.
وأقامت السيدة نفيسة في الفسطاط، فصار بيتها مقصدًا للعلماء والعباد وعامة الناس، ينهلون من علمها، ويلتمسون دعاءها. وقد ثبت في كتب التراجم أن الإمام الشافعي جاء نصر سنة 198هجريا و كان يجلها ويزورها، وأنه أوصى عند وفاته أن يُصلَّى عليه عند دارها، وبالفعل سنة 204هجريا توفي الشافعي ومرت جنازته أمام دارهافدعت له، ثم صُلِّي عليه، وهي رواية مشهورة ذكرها أصحاب السير.
ولم تكن السيدة نفيسة صاحبة كرامات تتناقلها الألسن بغير تمحيص، وإنما كان أعظم ما اشتهرت به العلم والعبادة والزهد، وهي الفضائل التي اتفق عليها المؤرخون، أما كثير من القصص المنسوبة إليها في قضاء الحاجات وخوارق العادات فلا تثبت بإسناد يعتمد عليه، وينبغي التمييز بينها وبين ما صح من سيرتها.
أما عن حبها لمصر، فقد رويت أخبار مشهورة أنها لما همت بمغادرة مصر، اجتمع الناس يرجونها أن تبقى بينهم، فآثرت الإقامة مراعاةً لمحبتهم. وهذه القصة مشهورة في كتب التراجم،
لا يعرف عنها قول ثابت مخصوص في الثناء على مصر. وإنما كان أعظم ثنائها عليها أنها اختارت الإقامة فيها حتى لقيت ربها، ودفنت في ثراها سنة 208 للهجرة، فأصبح قبرها أحد أشهر المعالم الإسلامية في مصر.
وهكذا بقيت السيدة نفيسة مثالًا للعالمة العابدة التي جمعت بين شرف النسب، وغزارة العلم، وحسن العبادة، حتى غدت مدرسةً في الزهد والورع، ورمزًا من رموز مصر الإسلامية، لا بما نُسب إليها من حكايات، بل بما ثبت من سيرتها الطيبة، وما تركته من أثر في نفوس الناس وعلمائهم عبر القرون.
وللدقة التاريخية، لا توجد رواية صحيحة ثابتة تنقل قولًا مخصوصًا للسيدة نفيسة في مدح مصر. وما يصح قوله هو أن اختيارها البقاء في مصر حتى وفاتها، وإقبال أهلها عليها، وعلاقة العلماء بها، هي الشواهد التاريخية الثابتة على مكانتها في مصر، أما الأقوال المنسوبة إليها في فضل مصر فلا تثبت بإسناد صحيح.

تعليقات
إرسال تعليق