القائمة الرئيسية

الصفحات

أروقة القانون... وحياة الناس لماذا لم يلجأ السيسي إلى «الديمقراطية الزائفة»؟



بقلم: حسين عبيد


في عالم السياسة، قد يكون من السهل صناعة مشهد ديمقراطي يرضي العيون، لكنه لا يملك من الديمقراطية إلا شكلها، بينما يبقى جوهرها الحقيقي قائمًا على وجود مؤسسات قوية قادرة على حماية الدولة وصون مقدراتها. ومن هنا يثور تساؤل مشروع: لماذا لم يلجأ الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نموذج «الديمقراطية الزائفة» الذي يمنح انطباعًا سريعًا بالانفتاح، بينما يفتقر إلى الأسس الحقيقية للدولة الحديثة؟


يبدو أن الرئيس السيسي تبنى رؤية تقوم على أن بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها يسبق الانشغال بالشعارات والمظاهر، إيمانًا بأن الدول لا تُبنى بالاندفاع، وإنما بالتخطيط والصبر وتراكم الإنجازات. ومن هذا المنطلق، جاء مشروع «الجمهورية الجديدة» قائمًا على تعزيز قدرات الدولة وتحديث بنيتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.


ويرى مؤيدو هذا النهج أن مفهوم الحريات لا يقتصر على الجانب السياسي وحده، بل يمتد إلى توفير الحقوق الأساسية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة. فالحق في السكن الكريم، والعلاج، والحماية الاجتماعية، والعمل، كلها حقوق لا تقل أهمية عن غيرها من الحقوق، بل تمثل حجر الأساس لبناء مجتمع مستقر وقادر على ممارسة حرياته في إطار من الأمن والتنمية.


وفي هذا السياق، جاءت مشروعات الإسكان الاجتماعي لتوفير مسكن ملائم لمحدودي الدخل والشباب، بينما شهد القطاع الصحي تجربة ناجحة في القضاء على فيروس «سي»، التي اعتُبرت واحدة من أبرز التجارب الصحية الناجحة في العالم. كما مثل برنامج «تكافل وكرامة» شبكة أمان اجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا، في الوقت الذي شكلت فيه المشروعات القومية الكبرى ركيزة اقتصادية مهمة لتوفير فرص العمل ودعم مسيرة التنمية، انطلاقًا من رؤية ترى أن التنمية الاقتصادية تمثل المدخل الطبيعي نحو ترسيخ دولة الحقوق والحريات.


ومن وجهة نظر مؤيدي هذا التوجه، فإن الرئيس السيسي لم يسع إلى تحقيق مكاسب سياسية سريعة أو صناعة شعبية مؤقتة، وإنما قدم مفهوم الدولة الوطنية على غيره من الاعتبارات، واضعًا مصلحة مصر واستقرارها في مقدمة الأولويات. كما أن الحديث عن الحريات لا ينبغي أن ينفصل عن خصوصية المجتمع المصري وثوابته، فالحريات الحقيقية تنمو في ظل دولة قوية ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وصون الاستقرار.


ولعل ما يميز هذه المرحلة، في نظر أنصارها، هو أن الدولة لم تتوقف عند حدود مواجهة التحديات الآنية، بل اتجهت إلى بناء بنية تحتية حديثة ومدن جديدة وتطوير شبكات الطرق والطاقة، باعتبار أن بناء الإنسان والمكان معًا هو الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على المنافسة. فالدول لا تُقاس فقط بحجم الشعارات التي ترفعها، وإنما بما تنجزه على أرض الواقع، وبمدى قدرتها على توفير حياة أفضل لمواطنيها.


وفي المقابل، فإن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة من قتل ودمار يطرح تساؤلات عديدة حول ازدواجية المعايير في تناول قضايا حقوق الإنسان والحريات، خاصة في ظل صمت دولي تجاه معاناة المدنيين، وهو ما يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم الحقوق بعيدًا عن الانتقائية والمعايير المزدوجة.


ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة الدولة المصرية على مواصلة مسيرة البناء والإصلاح، وصولًا إلى نموذج وطني يجمع بين قوة الدولة وترسيخ المؤسسات وتوسيع المشاركة، بما يحقق تطلعات المصريين ويحافظ على مكانة مصر بين الأمم. فالديمقراطية الحقيقية لا تُختزل في المظاهر، وإنما تقوم على دولة قوية، ومؤسسات راسخة، وتنمية مستدامة، ومواطن يشعر بأن حقوقه الأساسية مصونة، وأن مستقبله جزء من مشروع وطني يسعى إلى التقدم والاستقرار.


فمصر أولًا… ودولة المؤسسات هي الضمانة الحقيقية للمستقبل.

تعليقات