القائمة الرئيسية

الصفحات

ما لا يقوله الطفل… يصرخ به سلوكه


بقلم: جيهان عطية سويلم


في عالم الطفولة، لا يمتلك الأطفال دائمًا الكلمات التي تصف ما يدور داخلهم من مشاعر وأحاسيس، لذلك كثيرًا ما تتحول مشاعرهم الصامتة إلى سلوكيات ظاهرة يراها الكبار ويُسيئون أحيانًا تفسيرها. فالطفل الذي يصرخ كثيرًا قد لا يكون مشاغبًا، والطفل الذي ينعزل في غرفته ليس بالضرورة منطويًا بطبعه، والطفل الذي يرفض الدراسة أو يفتعل المشكلات قد يكون في الحقيقة يطلب المساعدة بلغة لا يعرف غيرها.

إن خلف كل سلوك رسالة، وخلف كل تصرف قصة تستحق أن تُروى. لذلك فإن الإصغاء إلى مشاعر أطفالنا قبل إصدار الأحكام عليهم يُعد من أهم مفاتيح التربية الواعية.


في زحام الحياة اليومية، قد ننشغل بالواجبات والمسؤوليات، وننسى أن أطفالنا يواجهون هم أيضًا ضغوطًا ومخاوف وتساؤلات تفوق قدرتهم على التعبير. فتتراكم المشاعر داخل قلوبهم الصغيرة حتى تصبح عبئًا ثقيلاً، فيظهر أثرها في صورة غضب مفاجئ، أو عناد مستمر، أو بكاء متكرر، أو حتى صمت مؤلم.


لكن لماذا يكتم الطفل مشاعره؟


أحد أهم الأسباب هو الخوف من العقاب أو السخرية. فعندما يبكي الطفل ويُقال له: "لا تبكِ"، أو يُوبخ لأنه عبّر عن غضبه أو خوفه، يتعلم تدريجيًا أن التعبير عن مشاعره أمر غير مقبول، فيلجأ إلى كبتها.


كما أن الطفل يتعلم من خلال التقليد. فإذا نشأ في بيئة لا يرى فيها الكبار يعبرون عن مشاعرهم بطريقة صحية، فلن يعرف كيف يفعل ذلك بنفسه. كذلك فإن بعض البيئات الأسرية تُغلق باب الحوار العاطفي، فتتحول المشاعر إلى أسرار دفينة يخشى الطفل الإفصاح عنها.


ولكبت المشاعر آثار لا يُستهان بها على الصحة النفسية للطفل. فقد يؤدي إلى نوبات غضب متكررة وغير مفهومة، أو إلى الانسحاب الاجتماعي وفقدان الرغبة في التواصل مع الآخرين. كما قد تظهر أعراض جسدية مثل الصداع وآلام البطن دون وجود سبب عضوي واضح. وفي بعض الحالات يفقد الطفل ثقته بنفسه لأنه يشعر أن أحاسيسه غير مقبولة أو غير مهمة.


ومن هنا تأتي أهمية دور الوالدين في توفير مساحة آمنة للتعبير. فالطفل لا يحتاج إلى من يحاكم مشاعره، بل إلى من يفهمها. عندما يغضب أو يحزن، حاول أن تقول له: "أرى أنك منزعج، هل تريد أن تحدثني عما تشعر به؟". هذه الكلمات البسيطة تمنحه شعورًا بالأمان وتفتح باب الحوار.


ومن المفيد أيضًا مساعدة الطفل على تسمية مشاعره، لأن كثيرًا من الأطفال يشعرون بالحزن أو الإحباط دون أن يعرفوا اسم ما يشعرون به. كما يمكن استخدام القصص والحكايات لتعليمهم أن الغضب والخوف والحزن مشاعر إنسانية طبيعية وليست عيوبًا يجب إخفاؤها.


كذلك تساعد وسائل التعبير المختلفة مثل الرسم والكتابة والأنشطة الفنية على إخراج المشاعر بطريقة صحية وآمنة. وعندما ينجح الطفل في التعبير عن نفسه، يجب تشجيعه والثناء على صدقه وشجاعته.


لقد أرشدنا ديننا الحنيف إلى أهمية التعامل الرحيم مع النفس والمشاعر، فالتحكم في الانفعالات لا يعني دفنها أو إنكارها، بل فهمها وإدارتها بحكمة ورحمة.


وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم لكل أم وأب: أطفالكم لا يحتاجون إلى الكمال، بل يحتاجون إلى القرب والاحتواء. يحتاجون إلى قلب يسمع قبل أن يحكم، وإلى حضن يطمئن قبل أن يعاتب. فكلما شعر الطفل بالأمان العاطفي، أصبح أكثر قدرة على التعبير عن نفسه، وأكثر توازنًا وثقة في مواجهة الحياة.


تذكروا دائمًا أن ما لا يقوله الطفل بالكلمات، قد يقوله بالسلوك. فأنصتوا جيدًا، فربما كانت خلف تصرف

اته رسالة تنتظر من يفهمها.

تعليقات