بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية كما جاء في كتب السيرة النبوية الشريفة الكثير عن نشأة الإمام أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنفي
ويسمى المذهب الحنفي مذهب أهل الرأي، وهو أقدم المذاهب الأربعة، وصاحبه هو الإمام أبو حنيفة النعمان، وقد نشأ المذهب الحنفي بالكوفة موطن الإمام أبي حنيفة، ثم تدارسه العلماء بعد وفاة شيخه ببغداد، ثم شاع من بعد ذلك وانتشر في أكثر البقاع الإسلامية، فكان في مصر والشام وبلاد الروم والعراق وما وراء النهر، ثم اجتاز الحدود فكان في الهند والصين، حيث لا منافس له ولا مزاحم، ويكاد أن يكون هو المنفرد في تلك الأصقاع إلى الآن، ويقال لأصحاب المذهب الحنفي أهل الرأي، لأن الحديث كان قليلا بالعراق، فاستكثروا من القياس ومهروا فيه.
وروي أن أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا مذهبه أربعون رجلا منهم أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وأبو الهذيل زفر بن الهذيل العنبري، وأن أول من كتب كتبه أسد بن عمرو، ولما تولى هارون الرشيد الخلافة، ولى القضاء أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، وذلك بعد سنة مائة وسبعون من الهجرة وأصبحت تولية القضاء بيده، فلم يكن يولي ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر إلى أقصى عمل إفريقية إلا من أشار به، وكان لا يولي إلا أصحابه والمنتسبين إلى مذهبه، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، وفشا المذهب في هذه البلاد فشوا عظيما، حتى قال ابن حزم مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس، ولم يزل هذا المذهب غالبا على هذه البلاد.
لإيثار الخلفاء العباسيين بالقضاء، حتى تبدلت الأحوال وزاحمته المذاهب الثلاثة الأخرى، وبلغ من تمسكهم به في القضاء أن القادر بالله استخلف مرة قاضيا شافعيا هو أبو العباس أحمد بن محمد البارزي الشافعي عن أبي محمد بن الأكفاني الحنفي قاضي بغداد، فشاع أن الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشافعية، فاشتهر ذلك وصار أهل بغداد حزبين ثارت بينهما الفتن، فاضطر الخليفة إلى صرف البارزي، وإعادة الحنفية إلى القضاء، وذلك في سنة ثلاثة مائة وثلاثة وتسعين من الهجرة، وكان الغالب على إفريقية السنن والآثار، إلى أن قدم عبد الله بن فروح أبو محمد الفاسي بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب عليها لما ولي قضاءها أسد بن الفرات بن سنان، ثم بقي غالبا عليها حتى حمل المعز بن باديس أهلها على المذهب المالكي.
وهو الغالب إلى اليوم على أهلها إلا قليلا منهم يقلدون المذهب الحنفي، وروي أن المذهب الحنفي ظهر ظهورا كثيرا بإفريقية إلى قريب من سنة ربعمائة من الهجرة، فانقطع ودخل منه شيء إلى ما وراءها من المغرب قريبا من الأندلس ومدينة فاس، كما رُوي أن أهل صقل
ية حنفيون.

تعليقات
إرسال تعليق