القائمة الرئيسية

الصفحات

• صرخة ألبانيا الحرّة وصمت مطبق في الشوارع العربية



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني

دولة الجزائر


سياسة مقارنة جيوسياسية وحركات شعبية


تعدّ قدرة الشعوب على التعبئة الفورية والاحتجاج ضد المشاريع الرأسمالية الكبرى مؤشّرا حيويا لقياس عمق "المواطنة السيادية" ومستوى الحريات العامة. وفي هذا الإطار، يتجلّى تباين عميق بين حركية المجتمع المدني في شرق أوروبا ممثلا في الحراك الألباني الراهن وحالة السكون أو الانكفاء التعبوي في البيئة العربية؛ مما يستدعي تفكيك الجذور الهيكلية والجيوسياسية لهذا التفاوت.


أطلقت الجماهير الألبانية في العاصمة "تيرانا" حراكا حاشدا ومتواصلا لستة أيام تحت شعارات حاسمة مثل "ألبانيا ليست للبيع" و"إيفانكا، عودي إلى بلدك"، رفضا لمشروع استثماري سياحي تقوده شركات حليفة للمنظمات الصهيونية كما عائلة الرئيس الأمريكي اليهودي الماسوني وصهره في محمية "فيوسا-نارتا" البيئية حيث تعشش أعداد كبيرة من طيور النحام الوردي وعجول البحر ومواقع أعشاش السلاحف البحرية في الجنوب. وينطوي هذا الحراك على أبعاد سيادية استراتيجية؛ مناهضة "الرأسمالية العابرة للحدود حيث يرفض المتظاهرون تسهيل الاستحواذ الأجنبي على أراض سيادية والمحميات الشاطئية والجزر، واحتشدوا أمام مقر الحكومة حيث طالبوا أيضا باستقالة رئيس الوزراء، معتبرين أن تصرّف الحكومة يمثل تقديما لمصالح رأس المال الدولي على حساب الهوية الوطنية والبيئية. كما أن الوعي بالتبعات الجيوسياسية أدى إلى رفض الشعب الألباني نظرا لمخاوف أعمق تتعلّق بالتبعية الاقتصادية والسياسية لقوى ضغط دولية، ومحاولة تجنب أن تكون الجزر والشواطئ الوطنية عبارة عن "كانتونات مغلقة" لخدمة مصالح عائلات ماسونية ويهودية محددة كما عائلة الرئيس الأمريكي ترمب، وسط استدعاء لتجارب دولية سابقة أدت فيها هذه الاستثمارات إلى فقدان السيطرة السيادية.


في المقابل، تطرح تساؤلات حادة حول غياب الحراكات الشعبية المماثلة في المنطقة العربية تجاه قضايا حساسة تمس الأصول السيادية، من جزر وموانئ، وشركات وأراض، ومؤسسات اقتصادية تم بيعها أو تفويض إدارتها لجهات خارجية تحكمها المنظمة الصهيوإسرائيلية.


ومن هنا تتّضح الفجوة بين تفاعل الشارع الألباني وسكون الشارع العربي عند تفكيك الظاهرة عبر ثلاثة محاور هيكلية؛ طبيعة الهامش الديمقراطي والمجتمعي حيث يتكئ النموذج الألباني على نظام برلماني يوفر مرونة نسبية لحركة المجتمع المدني والمنظمات البيئية، مما يتيح التظاهر والضغط دون خشية التعرّض لتبعات وجودية أو أمنية خطيرة. في المقابل، يقع الواقع العربي تحت وطأة بنية سلطوية وضغوط أمنية صارمة، تحوّل أي فعل احتجاجي مهما كانت دوافعه سلمية، بيئية أو اقتصادية إلى مهدد أمني قد يؤدي إلى الاعتقال أو الصدام المسلح مع أجهزة الدولة.

 يتمحور الصراع في ألبانيا حول حماية الجغرافيا والبيئة القانونية ضد توغّل شركات الاستثمار الدولي ورأس المال العابر للقارات لحفظ طابع البلاد.

 أما في المنطقة العربية، فالصراع يرتبط بملفات ديون سيادية مزمنة، وتمرير صفقات خصخصة حكومية مغلقة، مما يضعف قدرة الأفراد على تحديد مراكز النفوذ التي يجب مواجهتها.


يتحرك الشارع الألباني مدفوعا بوعي جمعي يرى في المحميات الطبيعية والأصول الوطنية رموزا سيادية غير قابلة للمساومة والبيع إضافة إلى أبعاد أيديولوجية ومخاوف حادة تجاه طبيعة الجهات المستثمرة؛ حيث يسود الشارع الألباني متوجّسا من ارتباطات هذه المجموعات الاستثمارية بشبكات نفوذ صهيونية وعائلات سياسية دولية تلاحقها اتهامات بالفساد الأخلاقي والسياسي.. وينعكس هذا التوجس في تخوف الوجدان الشعبي الألباني من تحول جزيرتهم ومحمياتهم الطبيعية إلى مستعمرات مغلقة لإدارة أنشطة مشبوهة "جزيرة ابستين" أو ممارسات غير أخلاقية"تجارب عسكرية" تستهدف الفئات الهشّة، على غرار ما كُشف عنه تاريخيا في ملفات النفوذ والابتزاز الدولي. 

هي قناعة شعبية واعية ترى في اقتراب هذه الأذرع الاستثمارية الحليفة للمنظمة الصهيوإسرائيلية خطرا أمنيا مباشرا يتجاوز السيطرة الاقتصادية إلى أدوات المراقبة اللصيقة واستهداف البنية المجتمعية. مستلهمين ما كشفته التحقيقات الدولية تاريخيا حول شبكات الفساد والاعتداءات المرتبطة بنخب النفوذ الغربية والصهيونية في "جزيرة الشيطان جيفري" من اعتداءات جنسية على الأطفال والقتل وممارسة طقوس القرابين، وتتماهى النظرة الشعبية الألبانية الراهنة مع التحولات العالمية الرافضة للمشاريع الصهيونية، حيث ينظر إلى التواجد الاستثماري لهذه الأذرع كأداة اختراق بعيدة المدى تهدف إلى السيطرة التدريجية، وديموغرافيا المنطقة، كما تمسّ سلامة الأطفال واستهداف حياة الأجيال الناشئة عبر برامج ممنهجة للاستيلاء على المقدرات وإشعال بؤر التوتر والمؤامرات السياسية. ويرى الشارع الألباني أن التواجد الصهيوني تحت غطاء استثماري ليس سوى خطوة أولى للتوغّل، يتبعها كيد وتدبير للمؤامرات، واغتيال للمقدرات المحلية، وصولا إلى محاولة الاستيلاء الكامل على جغرافيا المنطقة وتغيير هويتها. تعكس النظرة الألبانية الراهنة تغييرا راديكاليا أوسع في الوعي الدولي؛ حيث أن الصفقات لم تعد تمرر في الظلام كما كان سابقا حين كان المستثمرون يشترون الأراضي بطمأنينة. فالشعوب اليوم باتت تربط مباشرة بين الوجود الصهيوني وبين الفساد، الهيمنة، والسرقة الممنهجة، مما جعل "العيون والأذان مفتوحة" والأصوات مرفوعة عاليا لمواجهة تحركات الصهاينة بشكل استباقي.


تظهر المقارنة التحليلية فجوة حادّة في كيفية تعامل المجتمعات مع الأزمات الاقتصادية وعلاقتها بالسيادة على الأرض والمقدرات؛ فعلى الرغم من المعاناة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها ألبانيا كدولة صغيرة، إلا أن الشارع أظهر صلابة سيادية برفضه القاطع للمغريات المالية ورؤوس الأموال المرتبطة بالأذرع الصهيونية. ولسان حال الحراك يرسٌخ قاعدة أن "الأرض لا قيمة مادية لها ولا تقدر بثمن"، مفضّلين تحمّل التبعات المعيشية الصعبة والجوع على التنازل عن شبر واحد لصالح الصهاينة التي تهدد أمنهم القومي المستقبلي، مما جعل من ألبانيا رمزا معاصرا للسيادة الشعبية.


وعلى النقيض من ذلك، يرصد التحليل السياسي واقع مغاير تماما في المنطقة العربية، حيث أقدمت نخب سياسية واقتصادية وحالة من الاندفاع الحكومي نحو خصخصة وبيع الأصول الاستراتيجية للصهاينة مقابل تحصيل الأموال بحجّة الأزمات والديون المزعومة. وتتجلّى هذه الظاهرة في تمرير صفقات شملت بيع البلاد، والموانئ، والمحلات، وشركات الطيران، والمؤسسات الزراعية، والثروات النفطية، والمناجم والبنوك، والحكومات، ومنصب الحاكم، والوزارات، والأنهار والسدود، والجبال، وشبكات المياه والطرقات، والمعلومات الاستخبارتية، والمصانع، وغيرها..، كما امتدت التوجّسات الشعبية لتطال النفوذ الأجنبي والصهيوني في مفاصل سيادية وحكومية ودفاعية داخل مراكز القرار. 


تظهر القراءة المقارنة أن عواقب هذا التغلغل الاستثماري الصهيوني في المنطقة العربية أدت تاريخيا إلى إفساد القطاعات الحيوية؛ حيث أدى تغلغل استثماراتها في الأراضي الزراعية العربية إلى إفساد التربة والإنتاج وضرب الأمن الغذائي المستقلّ، وأسفر استحواذهم على الموانئ والمنافذ البحرية الحيوية عن إفساد حركتها التجارية وتحويلها إلى أدوات نفوذ خارجية، وامتد هذا الفساد الهيكلي ليشمل خصخصة المؤسسات السيادية والخدمية وتفويض مناصب حكومية حيوية، مما أنتج تبعية أمنية واقتصادية مباشرة عطّلت قدرة الدول على حماية أمنها القومي.


تتعمّق الفجوة الجيوسياسية عند دراسة طبيعة الاختراق والتحكّم المالي داخل مؤسّسات ومقدرات عدد من الساحات الإقليمية مثل مصر، المغرب، ليبيا، تونس، والعراق، الخليج، حيث يرصد في هذا الإطار ثلاثة مستويات؛ إذ تعاني البيئات الاقتصادية العربية من اتساع رقعة الاستحواذ الصهيوني على قطاعات استراتيجية كالنفط، شركات الطيران، والثروات الطبيعية، وصولا إلى تمدد النفوذ في إدارة البنى المرتبطة بالمؤسسات الكبرى كإدارة قطاعات النقل والخدمات الحيوية، مما أضعف أدوات الرقابة والتحكم الوطني لصالح حسابات بنكية وجيوب تخدم المنظمة الصهيوإسرائيلية ورأس المال الأجنبي. 

يتجاوز التوجّس الشعبي مسألة بيع الأصول الجغرافية ليمسّ البنية الهيكلية للحكم والإدارة وحتى العرض والشرف، حيث تطرح تساؤلات حادة حول مدى استقلالية القرار السياسي والدفاعي إثر تحالفات أمنية واقتصادية أدّت وفق القراءة النقدية إلى ممارسة نفوذ غير مباشر على مستويات وزارية وحكومية وجنرالات في قطاعات الدفاع، مما يعزّز فرضية التبعية البنيوية ويقلّص الهامش السيادي للدول.

 تبين هذه المقارنة مفارقة واضحة بين "صراخ الشارع الألباني" المستمر ليلا ونهارا ضد تفويض شريط ساحلي، وبين غياب التعبئة الجماعية أو الصمت الشعبي العربي المعاصر تجاه قرارات الخصخصة الكبرى وتنازل الحكومات مثل حكّام المغرب العربي والخليج العربي المنبطحين وغيرهم عن أصول ومؤسسات تاريخية، حيث لم تشهد تلك الساحات مظاهرات مندّدة تعيد فرض الكلمة الشعبية وتوقف تمرير وثائق التنازل. مما تسبّب في خيبات متتالية وعواقب وخيمة على الشعوب العربية نتيجة غياب الرقابة الشاملة والشفافية في تمرير هذه التنازلات بأسعار وجوائز رمزية. كما استنزفت الطاقة التعبوية للشعوب حصرت المواطن في بؤرة التأمين المعيشي، كما عزلته عن حماية أمنه الاستراتيجي وقضاياه السيادية الكبرى ضد الاختراق الصهيوني.


تضعنا المقارنة التحليلية أمام محاكمة فكرية عميقة تفسر الفارق بين ثقافة "الوعي الاستباقي" وثقافة "السكون الحياتي"؛ لما تقدّر حرية الشعوب بمدى قدرتها على استباق الخطر وفرض كلمتها حتى وإن جهّزت السلطة الحاكمة أوراق التنازل الرسمية. فالنموذج الألباني انتفض دفاعا عن "جزيرة ومحمية طبيعية تقع في عرض البحر" لم تستثمر ولم تبع بعد، واضعا مبادئ السيادة والمستقبل فوق الحسابات المادية الفورية، ومثبتا أن الثقافة والتعليم ينتجان شعوبا تشارك في صناعة المصير ولا تساوم على وجودها. 

وفي المقابل، يرصد السقوط النقدي الحاد للمشهد العربي حالة من "الارتداد إلى المربع الغريزي"، حيث تشخّص الأزمة في تغير وعي المجتمعات العربية من "المواطنة والمشاركة" إلى الاكتفاء "بالمعاش والاستهلاك". ويتّضح هذا الانكفاء العارم من خلال مؤشرين؛ فغدت الجماهير في المنظور التحليلي لا تتحرك ولا ترفع صوتها إلا إذا مسّت الأزمة البطون والفروج، في سلوك يحاكي الاستجابات الغريزية البدائية للكائنات الحيوانية التي لا تصدر صوتا إلا طلبا للقوت، بينما تلوذ بالصمت المطلق تجاه قضايا الهوية والأرض والكرامة طالما أن البطون مملوءة.

تجلّى هذا التراجع في الاستسلام لتفكيك دول وولايات ومؤسسات بأكملها؛ فمن استباحة غزة، واختراق العراق، واحتلال الجولان، وتفريغ المقدرات في الأردن وليبيا والمغرب، وصولا إلى استرجاع أطروحات الاستعمار القديم مثل ملفات الأقدام السوداء ومصادرة البيوت في الشمال الإفريقي، مرّ هذا الاستلاب الجغرافي والسيادي الشامل، وبناء آلاف القواعد العسكرية الأجنبية بمبالغ رمزية، دون أن يخرج الشارع العربي في مظاهرة واحدة تندّد ببيع التاريخ والمستقبل، مما كرّس واقعا من القبول بالتبعية وتفضيل الكفاف المعيشي على السيادة الوطنية.


تثبت التجربة الألبانية أن "الشعوب الحرّة" هي خط الدفاع الأخير عن مقدرات الأوطان؛ فالشعب الحيّ المقاتل واليقظ هو من يفرض كلمته ويوقف توقيع الحكومات على صفقات الاختراق.


وعليه أقول؛

إن خروج الشارع العربي من نفق "التسوّل المعيشي والسكون الغريزي" مشروط بإدراكه الواعي بأن استلاب الأرض والخصخصة وتفويض المؤسسات هي المسبّب الأول للجوع والتبعية، وأن الكرامة السيادية هي الضامن الوحيد وأكرّر الضمان الوحيد للبقاء والاستقرار الحقيقي.

تعليقات