القائمة الرئيسية

الصفحات


الظاهر والمفهوم


بقلم :

د كامل عبد القوى النحاس 


ليس كل ما يطرق الآذان ندرك مراده كاملاً من اللحظة الأولى، ولا كل ما يختزنه الكلام من معانٍ يظهر على سطح الألفاظ ظهور الشمس في كبد السماء. 

فالكلمة قد تقول أكثر مما تنطق به حروفها، والعبارة قد تفتح للقارئ أبواباً من الفهم تتجاوز حدود منطوقها، دون أن تخرج عن مراد قائلها.


ومن هنا كان القرآن الكريم كتاب هداية وبيان، يخاطب العقل والقلب معاً، ويجمع بين وضوح العبارة وعمق الدلالة. فهو ليس نصاً غامضاً لا يفهمه الناس إلا بعد عناء، وليس في الوقت نفسه كلمات سطحية تستنفد معانيها من القراءة الأولى، بل هو كلام رب العالمين الذي أحكم آياته لفظاً، وأغناها معنى، وجعل بعضه يفسر بعضاً، ويشهد بعضه لبعض.


ولهذا احتاج العلماء إلى وضع قواعد تضبط عملية الفهم، حتى لا يضيق الإنسان بما وسّعه الله، ولا يوسّع ما ضيقه الله، ولا يحمل النص ما لا يحتمل، ولا يقصره على بعض ما أراد الله به من المعاني.


ومن أهم هذه القواعد التمييز بين المنطوق والمفهوم.


ولعل المصطلحين يبدوان لأول وهلة من المصطلحات العلمية الجافة، لكن حقيقتهما أقرب إلى الفطرة السليمة من قربهما إلى التعقيد العلمي.


فلو أن أباً قال لابنه: 

لا ترفع صوتك على أمك،


 لفهم الابن مباشرة أن رفع الصوت ممنوع. 

لكن هل يظن عاقل بعد ذلك أن شتم الأم أو إهانتها أو الاعتداء عليها جائز لأن الأب لم يذكره صراحة؟


 بالطبع لا.


هنا نرى كيف أن الكلام قد يدل على معنى ظاهر، ثم يدل على معانٍ أخرى يفهمها العقل من طبيعة الخطاب نفسه.


وهكذا شأن النصوص الشرعية.


المنطوق: حين يتجلى المعنى على وجه الشمس


المنطوق هو المعنى الذي تدل عليه ألفاظ النص دلالة مباشرة واضحة.


هو المعنى الذي يستقبلك عند قراءة الآية أو الحديث دون حاجة إلى استنباط بعيد أو تأمل طويل.


فحين يقول الله تعالى:


﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]


فالمعنى ظاهر جلي: أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الوجوب.


وحين يقول سبحانه:


﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: 32]


فالمعنى واضح في النهي عن الزنا وكل ما يقرب إليه على سبيل التحريم الجازم.


إن المنطوق هو وجه الكلام المكشوف، وهو الأساس الذي تُبنى عليه بقية الدلالات، ولذلك لا يجوز أن يأتي فهم أو استنباط يناقضه أو يعارضه.


المفهوم: حين تهمس الإشارة بما لم يصرح به اللفظ


غير أن اللغة لا تسير دائماً في طريق التصريح المباشر.


فقد يذكر النص شيئاً ويقصد أن يلفت النظر إلى ما هو أشد منه أو أوسع منه.


وهنا يأتي المفهوم.


والمفهوم ليس خيالاً يسرح فيه القارئ كما يشاء، وليس رأياً شخصياً يُفرض على النص، بل هو معنى مستفاد من النص نفسه، ومن أسلوبه وسياقه وطريقة بنائه.


تأمل قول الله تعالى:


﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]


إن أف ليست أعظم صور العقوق، بل هي أدناها وأخفها.


فإذا كان القرآن قد نهى عن هذه الكلمة الصغيرة التي تدل على الضجر والتبرم، فإن العقل يدرك أن الضرب والشتم والإهانة أولى بالتحريم والتأثيم.


ولذلك لم يفهم أحد من المسلمين يوماً أن الآية تمنع التأفف فقط وتبيح ما فوقه.


إنما فهموا أن الله ذكر أقل مراتب الأذى لينبه إلى ما هو أشد منها.


وهكذا يتحول النص من كلمة واحدة إلى منهج كامل في البر والإحسان.


حين يذكر القرآن صورة واحدة ويريد حماية الحق كله


ومن الأمثلة البديعة على ذلك قوله تعالى:


﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].


فالآية تحدثت عن تحريم الأكل.


لكن هل المقصود أن الحرق أو التبديد أو السرقة أو إضاعة مال اليتيم لا تدخل في التحريم لأنها ليست أكلاً؟


لا أحد يفهم ذلك.


فالقرآن ذكر الأكل لأنه أشهر صور الانتفاع بالمال والاستيلاء عليه.


أما المقصود الحقيقي فهو الاعتداء على مال اليتيم بأي صورة من الصور.


فمن أحرق مال اليتيم أو بدده أو ضيعه أو استولى عليه بالحيلة، فقد شارك في المعنى الذي جاءت الآية لتحريمه، وإن اختلفت الصورة.


وهنا نرى كيف يمتد الحكم ليحمي الحق كله، لا صورة واحدة منه.


حين يكون الوصف بياناً للواقع لا شرطاً للحكم


ومن المواضع التي يكثر فيها الخطأ في الفهم قوله تعالى في المحرمات من النساء:


﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: 23].


والربيبة هي بنت الزوجة من زوج سابق.


وقد يظن بعض الناس أن تحريم الربيبة مرتبط بكونها تعيش في بيت زوج أمها، لأن الآية قالت:


﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾.


لكن التأمل في الآية وسياقها يبين أن الأمر ليس كذلك.


فالغالب في حياة الناس أن البنت تكون مع أمها، فإذا تزوجت الأم انتقلت البنت معها إلى بيت الزوج الجديد، فنشأت في حجره وتحت رعايته.


فجاء القرآن يصف الواقع المعروف بين الناس، لا ليجعل الإقامة في البيت شرطاً للحكم.


أما القيد الحقيقي المؤثر في الحكم فهو قوله تعالى:


﴿مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾.


فإذا دخل الرجل بالأم حرمت عليه ابنتها تحريماً مؤبداً عند الجمهور ، سواء كانت مقيمة معه في البيت، أو كانت في بلد آخر، أو لم تعش معه يوماً واحداً.


بل إن حكمة التشريع تؤكد هذا المعنى؛ لأن بيت الزوج ينبغي أن يكون موضع أمن وطمأنينة لبنات الزوجة، سواء أقمن فيه دائماً أو كن يترددن عليه زيارة ومبيتاً وصلةً بأمهن.


فالعلاقة هي مناط الحكم، لا الجدران التي تقام بينها الحياة.


حين يذكر القرآن الصورة الغالبة ولا يقصد حصر الحكم فيها


ومن ذلك قوله تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ 

[آل عمران: 130].


فقد يتوهم متوهم أن الربا القليل جائز، وأن المحرم هو الربا الذي يبلغ أضعافاً مضاعفة فقط.


لكن القرآن نفسه يرفع هذا الوهم حين يقرر القاعدة العامة:


﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].


فالتحريم هنا جاء مطلقاً عاماً، لم يفرق بين قليل وكثير.


أما وصف الربا بأنه أضعاف مضاعفة فقد خرج مخرج الغالب؛ لأن هذه كانت الصورة الشائعة في المجتمع الجاهلي، حيث يتراكم الدين على المدين حتى يتضاعف مرات ومرات.


كما أن من طبيعة الربا أنه يبدأ قليلاً ثم يجر إلى الكثير، ويبدأ يسيراً ثم ينتهي إلى الاستغلال والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.


فجاء القرآن يصور أبشع صورة عرفها الناس، ليزرع النفرة منها في النفوس، لا ليجعلها الحد الأدنى للتحريم.


حين يجمع التشريع بين العدل والرحمة


ومن أروع الأمثلة قوله تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].


فهذه الآية تقرر حكماً عاماً واضحاً: تحريم قتل الصيد على المحرم.


ثم جاء البيان بعد ذلك ليفرق بين حالتين.


فمن قتل الصيد متعمداً جمع على نفسه أمرين: الإثم لمخالفته النهي، والجزاء لجبر ما أتلفه.


أما من وقع منه القتل خطأ فلا إثم عليه؛ لأن الشريعة رفعت المؤاخذة عن الخطأ، لكنه يبقى مطالباً بالضمان؛ لأن الصيد قد أُتلف بالفعل.


وهكذا يوازن التشريع بين النية والأثر، وبين القصد والنتيجة.


فلا يسوي بين المتعمد والمخطئ، ولا يهدر في الوقت نفسه الحقوق والآثار المترتبة على الفعل.


حين يخاطب الله نبيه ويربي الأمة كلها


ومن دقائق البيان القرآني أن الخطاب قد يوجه إلى النبي ﷺ، بينما تمتد دلالته لتشمل الأمة كلها.


يقول الله تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: 1].


ولا أحد يظن أن النبي ﷺ كان محتاجاً إلى من يذكره بأصل التقوى كما يحتاج غيره، لكنه خطاب يراد به تثبيت المبدأ وتعظيم شأنه.


فإذا كان سيد الخلق ﷺ يُخاطب بالتقوى والثبات وعدم طاعة أهل الباطل، فكيف بمن دونه؟


إنه خطاب للنبي ﷺ لفظاً، وللأمة تربيةً وتعليماً واقتداءً.


وهذا من أبلغ أساليب القرآن، إذ يخاطب القمة ليوقظ الجميع.

خاتمة


إن القرآن الكريم لا يُفهم بكلمة تُقتطع من سياقها، ولا بعبارة تُعزل عن نظائرها، ولا بظاهر لفظ يُصادم مقاصد البيان كله.


فالمنطوق نورٌ يهدي إلى المعنى الظاهر، والمفهوم أفقٌ يوسع دائرة الفهم في حدود ما أراد الله.


وكلما ازداد الإنسان علماً بلسان العرب، وبسياقات القرآن، وبمقاصد الشريعة، أدرك أن هذا الكتاب العظيم لا تتعارض آياته، ولا تتنازع دلالاته، بل يشد بعضها أزر بعض، ويكشف بعضها عن بعض.


وحينئذ يدرك القارئ أن القرآن لم يُنزل ليُتلى بالألسنة فحسب، بل ليُفهم بالعقول، ويُعاش في الواقع، ويظل نوراً متجدداً يهدي القلوب والعقول إلى سواء السبيل.

تعليقات