بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن الإمام ابن حجر شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني، وقيل أنه كان دخول الإمام ابن حجر إلى دمشق في التاسع عشر من شهر رمضان سنة ثماني مائة واثنين من الهجرة، فنزل فيها على صاحبه الصدر علي بن محمد بن محمد بن الأدمي، لما كان بينهما من المودة، وأقام بها مائة يوم، آخرها أول يوم من المحرم سنة ثماني مائة وثلاثة من الهجرة، وكان السبب الرئيسي الذي دعا بن حجر إلى مغادرة بلاد الشام مبكرا، هو تواتر الأخبار بقرب مجئ المغول إليها، فظهر ابن حجر من دمشق كما تقدم في أول يوم، من سنة ثماني مائة وثلاثة من الهجرة، ورجع إلى بلده وقد اتسعت معارفه كثيرا بما أخذه من العلماء، فأقام بها على طريقته في التصنيف والإقراء والإملاء والكتابة.
بل لم يهمل سماعه على الشيوخ، ورغم قصر المدة التي قضاها الحافظ بن حجر في البلاد الشامية والتي لم تتجاوز مائة يوم إلا أنه أظهر لعلماء الشام وفضلائها حفظا كبيرا، واغتبطوا به، وشهدوا له بالتقدم في فنون الحديث إلى أعلى رتبة، وعلق في غضون تلك المدة بخطه من الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والتتمات التي يُلحقها في تصانيفه ونحوها ثمان مجلدات فأكثر، وألف ترتيبا على الأطراف لكتاب الأحاديث المختارة، للحافظ ضياء الدين المقدسي، جاء في مجلد ضخم سماه الإنارة في أطراف المختارة، قال السخاوي عنه لو لم يكن له عمل في طول هذه المدة إلا هي، لكانت كافية في جلالته، كما حصل في تلك المدة مابين قراءة وسماع جملة مستكثرة من الكتب، منها ما يكون في مجلدة ضخمة فأكثر.
ومنها ما يكون في مجلدة لطيفة، بلغت مجتمعة ما يقارب ألف جزء حديثي، وكان ابن حجر وهو بدمشق قد عزم على التوجه إلى البلاد الحلبية، ليأخذ عن خاتمة المسندين بها عمر بن أيدغمش، فبلغته وفاته، فتخلف عن التوجه إليها، ثم قدر له بعد دهر السفر إليها وذلك في سنة ثماني مائة وست وثلاثين من الهجرة، وذلك أن السلطان الأشرف برسباي توجه إلى آمد، لدفع أذى التركمان الذين تغلبوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد الغزو التيمورلينكي، لما كثر من إفسادهم، ونهب أموال الرعايا، وقطع الطرق على القوافل، فخرج السلطان بالعسكر المصري ومعه قاضي الشافعية الحافظ بن حجر، ورفقته قضاة المذاهب الثلاثة الأخرى والخليفة داود المعتضد بالله.
وكان ابتداء السفر من الريدانية بعد صلاة الجمعة في التاسع عشر من شهر رجب من نفس السنة، وفي أثناء سفره لم يخل وقته من فائدة على جاري عادته، فسمع وكتب بالبلاد التي مر بها وهو في الطريق إلى الشام الكثير عن رفقته من القضاة والشيوخ المرافقين للعسكر المصري، ووصل الركب إلى دمشق في النصف من شعبان فنزل ابن حجر بالمدرسة العادلية الصغرى، وعقد مجلس الإملاء بجامع بني أمية فحضره جمع وافر من الأعيان والفضلاء والطلبة، وسمع في مدة إقامته في دمشق إلى العشرين من شعبان على من تهيأ له السماع منهم، وعلق بخطه أشياء كثيرة تزيد على مجلدين.

تعليقات
إرسال تعليق