دماءٌ على رصيف البيروقراطية: وثائق مسربة تزيح الستار عن مأساة مرضى "الهيموفليا" في مصر.. والموت البطيء يهدد المئات
بقلم ومتابعة حازم علي أدهم
تحقيق استقصائي دولي كيف تحوّل السيستم الإداري لآلة لتعطيل العلاج المنقذ للحياة صور صادمة لأجساد تنزف محاضر شرطية واستغاثات عاجلة للأمم المتحدة ورئاسة الجمهورية لإنقاذ ذوي الاحتياجات الخاصة من حكم إعدام بيروقراطي
في وقتٍ تتغنى فيه المنظمات الدولية والمواثيق الأممية بالحق الإنساني المطلق في الصِّحة والعلاج كفلت اتفاقيات حقوق الإنسان وذوي الإعاقة حماية خاصة للمرضى الأكثر هشاشة لكن على أرض الواقع وتحديداً داخل ردهات الهيئة العامة للتأمين الصحي في مدينة الإسكندرية بمصر تصطدم هذه الشعارات بواقعٍ دامٍ وصادم تحرّكه البيروقراطية الإدارية والقرارات التعسفية الفردية
هنا في هذا التحقيق المدعوم بالوثائق والتقارير الطبية والمحاضر الجنائية الرسمية نكشف عن مأساة صامتة لمرضى الهيموفليا أ أولئك الذين تحولت حياتهم إلى مقامرة يومية مرعبة بين النزيف الداخلي والموت الفجائي بعد أن حُرموا قسراً من بروتوكولاتهم العلاجية المتطورة بأمرٍ من لجان طبية فرعية ضربت بالقرارات السيادية العليا عرض الحائط
صرخة الأجساد المنسية كدمات وتورمات تكسو الضحايا
الصور المسربة والحصرية التي حصل عليها فريق التحقيق والمدمجة في الوثيقة الجماعية لا تترك مجالاً للشك أو التأويل إنها وثيقة إدانة بصرية صارخة تظهر الصور تجمعات دموية عنيفة ذات لون أرجواني داكن يكسو أطراف المرضى وأذرعهم وسيقانهم فضلاً عن تورمات حادة وضخمة في مفصل الركبة والكوع نتيجة ارتجاح الدم واحتباسه داخلياً
هذه التشوهات الحركية والتجمعات الدموية ليست مجرد أعراض لمرضٍ جيني بل هي نتاج مباشر لسياسة منع الصرف والتعنت الإداري بدون الحقن الدوري بـ عامل التجلط الثامن يتحول جسد مريض الهيموفليا إلى ما يشبه الزجاج الهش أي حركة عادية أو ضغطة بسيطة كفيلة بتفجير نزيف داخلي يأكل الغضاريف والعظام مسبباً عجزاً حركياً دائماً أو نزيفاً دماغياً ينهي الحياة في دقائق
يقول أحد المرضى المستغيثين في تصريح يدمي القلوب
نحن نموت ببطء كل يوم النزيف لا يتوقف تحت جلودنا وفي مفاصلنا ومصيرنا أصبح معلقاً بشاشة كمبيوتر يخبرنا الموظف خلفها أن العلاج غير موجود على السيستم بينما الدماء تأكل أجسادنا بنهم
بالوثائق والمستندات معركة السيستم ضد قرارات العلاج السيادية
تكمن القوة القانونية والدامغة لهذا التحقيق في المستندات الرسمية التي نزع المرضى عنها برقع السرية لإيصال صوتهم للعالم
توضح دفاتر وسجلات التأمين الصحي الرسمية الظاهرة في ملف أن التشخيص الطبي للمرضى قاطع وثابت لا يقبل المماطلة هيموفليا أ حادة وتوصي الروشتة العلاجية المعتمدة رسمياً بصرف عامل التجلط الثامن المعاد تركيبه بمقدار 2000 وحدة دولية حقناً في الوريد
لكن المفاجأة الصادمة التي فجرت الأزمة حسب المستندات المكتوبة كانت في التعنت الصريح من قِبل مسؤولي اللجنة الطبية للتأمين الصحي بالإسكندرية وتحديداً رئيسة قسم أمراض الدم ومقررة اللجنة العليا فرغم قيام المرضى بالسفر إلى العاصمة القاهرة وتكبد مشقة حيازة قرار رسمي من اللجنة العليا بالقاهرة يلزم الفرع بالصرف الفوري لحماية حياتهم إلا أن اللجنة الإقليمية رفضت التنفيذ متذرعة بحجج بيروقراطية واهية مثل الجرعة غير مدرجة على السيستم اليوم بالمستشفى
هذا الامتناع عن الصرف لم يكن مجرد تعطيل إداري بل واكبه حسب شكاوى الضحايا محاولة لإجبارهم على قبول بدائل علاجية قديمة أو غير متوفرة أصلاً مما يعرضهم لمخاطر الإصابة بالفيروسات الكبدية ومضاعفات مناعية وخيمة
انتفاضة قانونية بلاغات جنائية ومحاضر شرطة لإثبات التعسف
أمام هذا التهديد المباشر لحياتهم قرر المرضى الخروج عن صمتهم وتحويل قضيتهم الإنسانية إلى معركة قانونية وقضائية طرقت أبواب الأجهزة السيادية في الدولة
فقد تقدم عشرة من المرضى والمصنفين كذوي احتياجات خاصة بموجب القانون والدستور باستغاثة جماعية مكتوبة وموقعة بأسمائهم الصريحة ومنهم محمد أحمد محمود السعيد محمد محمود أحمد مصطفى عيد أحمد حسن ومسعد عيد عبد السلام الاستغاثة وُجهت مباشرة إلى رئيس جمهورية مصر العربية ورئيس مجلس الوزراء ووزراء الصحة والداخلية
وجاء في نص استغاثة الضحايا
نحن مرضى الهيموفليا بمستشفى جمال عبد الناصر بالإسكندرية نتعرض للموت كل يوم بسبب عدم توفر العلاج والتعنت والاضطهاد الشديد الذي نواجهه من الدكتورة رئيسة قسم أمراض الدم إننا نفقد كل يوم مريضاً منا خوفاً من النزيف المستمر نطالب بتوفير العلاج المباشر وإعادة الصرف فوراً لإنقاذ حياتنا
ولم يقف الأمر عند الاستغاثات الورقية بل توثق المستندات تصعيداً قانونياً غير مسبوق حيث قام المرضى بتحرير شكاوى رسمية في مجلس الوزراء وبلاغات للنيابة الإدارية بالإسكندرية وصولاً إلى تحرير محاضر جنائية رسمية بقسم شرطة باب شرق بالإسكندرية المحضر رقم 5422 إداري باب شرق بتاريخ 4 يونيو 2026 لإثبات حالة الامتناع العمدي عن الصرف والتعنت الطبي
الطوارئ المهجورة 7 ساعات من الانتظار والرفض
تكتمل المعطيات الدامغة للتحقيق بتقرير معملي رسمي صادر عن الهيئة العامة للتأمين الصحي فرع شمال غرب الدلتا يظهر المؤشرات الحيوية لأحد المرضى وحالته المتدهورة الناتجة عن فقر الدم الشديد نسبة الهيموجلوبين 82
وتكشف الشكاوى الملحقة أن المرضى تم احتجازهم وإهمالهم في غرف الاستقبال والطوارئ بالمستشفى لأكثر من 7 ساعات كاملة ولم يقتصر الأمر على تأخير الصرف بل تم رفض الكشف الطبي عليهم أو إجراء الأشعة الحيوية اللازمة للوقوف على حجم النزيف الداخلي في مفاصلهم المتورمة في مشهد يضرب بكافة بروتوكولات حقوق المريض الطبية والإنسانية عرض الحائط
غياب الرد الرسمي صمتٌ يثير الشبهات
في إطار الالتزام بالمهنية الصحفية ومبدأ مواجهة الأطراف توجه فريق التحقيق برئاسة حازم علي أدهم بالأسئلة والمستندات إلى إدارة مستشفى جمال عبد الناصر بفرع شمال غرب الدلتا وتواصلنا مباشرة مع مكتب رئيسة قسم أمراض الدم ومقررة اللجنة العليا للتأمين الصحي بالإسكندرية المذكورة في بلاغات المرضى لمنحهم حق الرد الكامل وتوضيح أسباب إيقاف صرف علاج عامل التجلط الثامن وتبرير احتجاز المرضى لسبع ساعات
إلا أن الجهات المسؤولة فضلت الصمت وجاء الرد مقتضباً من أحد الإداريين رفض ذكر اسمه مكتفياً بالقول إن المنظومة تخضع لآليات تدقيق إلكترونية وأي تعديل في بروتوكول الصرف هو قرار طبي تنظيمي تفرضه الميزانيات المتاحة وتحديثات السيستم المركزي بالقاهرة
هذا التهجير والتبرير بـ السيستم يراه المراقبون الحقوقيون اعترافاً ضمنياً بعجز الإدارة عن إيجاد حلول مرنة لأرواح تواجه الموت ويؤكد أن المنظومة البيروقراطية باتت تقدم اللوائح الجامدة على حساب حياة المواطنين
البُعد الدولي والإنساني أين مواثيق حقوق الإنسان
إن القضية المثارة هنا تتجاوز النطاق المحلي لتشكل انتهاكاً صريحاً للمواثيق الدولية التي وقعت عليها الدولة المصرية فالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمم المتحدة ينص في مادته الـ 12 على حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية ويلزم الدول بتوفير الأدوية الأساسية المنقذة للحياة دون تمييز أو تعنت بيروقراطي
كما أن الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والتي يعد مرضى الهيموفليا جزءاً لا يتجزأ منها تحظر تماماً أي ممارسات إدارية تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمريض أو حرمانه من العلاج التأهيلي والوقائي المتطور المعتمد عالمياً إن حبس العلاج خلف شاشات السيستم وبسبب خلافات اللجان الإدارية يعد بحسب التوصيف الحقوقي الدولي نوعاً من العقاب الجماعي غير المبرر لمواطنين سلبتهم الإعاقة والوعكة الجينية القدرة على التمتع بحياة طبيعية
خاتمة صرخة أخيرة قبل النزيف القاتل
الملف الآن معروض بالكامل وموثق أمام الرأي العام المصري والدولى وأمام المنظمات الحقوقية والأممية أجساد تنزف وتتشوه أمام الكاميرات روشتات وقرارات طبية عليا تقر بالصرف الفوري لحماية أرواحهم ومحاضر شرطية رسمية تثبت الامتناع والتعنت
إن دماء هؤلاء المرضى لا تحتمل الانتظار وكل ساعة تمر دون صرف عامل التجلط الثامن الوريدي تعني اقتراب مريض جديد من كرسي متحرك دائم أو كفن أبيض نتيجة نزيف حاد مفاجئ
الكرة الآن في ملعب السلطات التنفيذية والرقابية العليا بمصر وفي ملعب الهيئات الحقوقية الدولية هل يتم فتح تحقيق عاجل ومحاسبة مسؤولي اللجان المتورطين في هذا التعنت والاضطهاد الإداري كما سطر الضحايا في بلاغاتهم أم ستظل أرواح هؤلاء الشباب رهينة روتين قاتل ينهش في مفاصلهم يوماً بعد يوم
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة والنزيف لا يزال مستمراً
تنويه حقوقي احتفظ فريق التحقيق بكافة النسخ الأصلية والأرقام الرسمية للمحاضر والتقارير الطبية المذكورة لتقديمها للجهات القضائية والرقابية الدولية والمحلية المعنية عند الطلب
دماءٌ على رصيف البيروقراطية: وثائق مسربة تزيح الستار عن مأساة مرضى "الهيموفليا" في مصر.. والموت البطيء يهدد المئات

تعليقات
إرسال تعليق