الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
قراءة علمية وفلسفية في الهبوط البيولوجي للإنسان
ورد في المأثورات الدينية إن الإنسان خلق فقط ليعبد الإله؛ فهو خليفة الإله في أرضه كائن كرّم ليحمل الأمانة؛ ولكن حين تجعل هذا المخلوق العاقل تحت مجهرية العلم والبيولوجيا، تطرح السؤال الحتمي التالي؛ كيف خلق هذا الإنسان واقعيا؟ ومن أي بيئة تشريحية انبثق؟
إذا دمج الباحث والمتأمّل في الحقيقة المادية للإنسان بين الحقائق الطبّية والرؤية الفلسفية، يتجلّى له حجم المفارقة المحيّرة بين "قدسية الغاية" و"وضاعة المنشأ البيولوجي".
من المنظور العلمي، يتخلّق الجسد الإنساني في منطقة جغرافية معقّدة ومحاطة بالفضلات داخل جسم الإنسان. فالجهاز التناسلي البشري يلتحم بنيويا وجسديا بجهاز فتحة الإخراج؛ عند الذكر تشترك القناة القاذفة للمني مع مجرى البول في ممرّ واحد، حيث يتدفّق سائل الحياة من نفس المجرى الذي تتدفّق منه السموم البولية. وعند الأنثى يقع مجرى الولادة والشهوة في برزخ ضيق جدا؛ تعلوه فتحة مجرى البول، وتجاوره من الأسفل مجرى القذارة والفضلات.
هذا التداخل التشريحي الصارم يعكس حقيقة مادية لا تقبل الجدل؛ وهي أن هذا الكائن يخرج إلى الدنيا من بين مسالك النجاسة البيولوجية، وكأن المادة تصرّ على وسمه بالهوان منذ لحظة تكوينه الأولى.
بعد الولادة، ينمو هذا الجسد ليدخل في حلقة مفرغة من الحاجات البيولوجية المقيّدة؛ أي الاعتماد الإخراجي والسمّي، فلا يتوقف عن إنتاج السموم، من تبرّز وتعرّق وتمخّط، وبمجرد بلوغه، تفرز الغدد الصمّاء هرمونات تكتسح الدماغ وتخضع العقل لـ "أمشاج الشهوة الغريزية".
تراه يسعى في أحيان كثيرة خلف الأنثى مدفوعا بـ "غريزة عمياء" في محاولة للتخلّص من الضغط البيولوجي للسوائل الجنسية. والأنثى تعيش مقيّدة بدورات هرمونية معقّدة، ورغبات وشهوة، تتقاذفها التغيّرات المزاجية والجسدية من حيض، ومذي، ونفاس، ودماء تصنّف علميا ودينيا كأنسجة ميتة وفضلات يجب التطهّر منها.
هذا هو المخلوق "الوضيع بيولوجيا" الذي يطلب منه الوقوف بين يدي القدّوس! لا تمرّ عليه لحظات إلا وغازات الضراط تتسرّب منه، وإذا دعي إلى صلاة وجب عليه التطهّر والاغتسال وكأنّ الإنسان في حالته البيولوجية الطبيعية يعيش حالة "تدنيس مستمر" لبنيته النجسة، لكي يقف أمام الإله وجب عليه التعطّر، وأن يكون نظيف الثياب والمكان، ويحرس على تقليل الطعام حتى لا تمتلئ أحشاؤه بالنجاسة.
وأما لقاؤه بربّه أثناء الصلاة، فلا يتجاوز بضع دقائق، بينما يقضي جلّ عمره يجمع المال ليتزوج؛ والزواج في حقيقته البيولوجية مجرّد تلبية لتلك الشهوة، أو يقضي وقته كادحا لإطعام أولاد جاءوا من ذات النزوة. وأما بالنسبة للأنثى فكلّ الوقت تعمل على تحضير وتزيين نفسها وإعداد الأطعمة لتكون جديرة في السرير لتلبية رغبات الذكر وتحقيق توقعاته وتربية الأطفال.
وعند العجز والكبر، يرتدّ هذا الإنسان إلى أرذل العمر، فيصير عالة تحيط به رائحة الأوساخ، تخونه صحته، وفي النهاية يعود إلى التراب وينسى كأنّه لم يكن.
حين نتأمّل المحرّك الأساسي لاستمرار هذا الجنس البشري، نجد أنه محكوم بآلية غريزية صارمة وهي شهوة حيوانية عابرة جمعت بين ذكر وأنثى. فالذكر، مدفوعا بـ "المثيرات الحسية" التي تحفّز مراكز الدماغ البدائية، ينجذب نحو الأنثى كلما كانت أكثر إثارة لغريزته الشهوانية. وفي المقابل، فإن الأنثى، بحكم تركيبتها البيولوجية والنفسية، تنفر من الرجل إذا ما خبت لديه طاقة الرجولة الغريزية.
هذا التجاذب والتنافر البيولوجي يتعدّى حدود اللقاء الروحي والجسدي، ليصبح المحرّك الأساسي للاقتصاد البشري؛ فحتى الأموال والثروات التي يقضي الإنسان عمره في جمعها، يتبيّن في النهاية أن جزءا كبيرا منها ينفق لخدمة هذه الرغبات وتأمين الفضاء الحيوي لممارستها.
الاختلافات الكبرى هنا تكمن في "لحظة غياب الوعي"، التي يبلغ فيها التجاذب الغريزي ذروته، مما يؤدي إلى انعزال الوعي البشري تماما، ويغيب التفكير العقلاني، ولا يبقى في التفكير سوى الرغبة المحضة في "قضاء الوطر".
وتكون النتيجة هي ولادة إنسان جديد ينبثق من ذات القنوات؛ المجرى البيولوجي المخصّص للإفرازات البولية.
فهل هذا هو الإنسان المخلوق المؤهّل للوقوف أمام الإله؟ أم أن هناك "تلاعبا خطيرا" حدث في الجينات الحقيقية للبشر والآدميين؟
إذا كان التطوّر البيولوجي الحالي للإنسان مليئا بالثغرات والضعف، فهل كان "البشر الأول" أو "الآدمي المقدّس" يتكاثر بهذه الطريقة؟
هل تحولوا من "آدميين مقدّسين" يتكاثرون بشكل روحي منظّم، بطريقة التناسخ أو الفيض الروحي، ومنزّه عن نجاسات الفروج والشهوات العابرة إلى هذا الكائن المسخ البيولوجي؟
من الناحية الأنثروبولوجية التاريخية، تشير النصوص القديمة إلى أن البشر الأوائل كانوا؛
أطول أعمارا بمئات السنين. أقل ذرية وتكاثرهم لم يكن عشوائيا. أبدانهم أكثر قوة ومقاومة للأمراض.
ومع مرور الزمن، حدث تداخل بين النسل العريق والهابط؛ بين ذرية الآدميين الطاهرين وقوى ذرية إبليسية، شيطانية غاوية، أي حدث هبوط في الشيفرة الجينية "الأصلية". هذا الهبوط حوّل التكاثر من عملية "تسامي وتناسخ أو فيض روحي طاهر"، إلى تكاثر ولادة بيولوجي شبيه بتكاثر الكائنات الأدنى والشياطين التي تتّخذ من الأماكن المظلمة والنجسة مستقرا لها.
النتيجة العلمية لهذا التوالد المتكرّر المبني على الكبت والرغبات المسعورة كانت؛ انتشار الأمراض، ضمور الأبدان، وقصر الأعمار، وتراجع الكفاءة البيولوجية والروحية للبشر.
إن هذا التكاثر عبر الفروج والأماكن النجس يعكس آلية أقرب لطبيعة الشياطين، وهو السبب الأساسي لارتداد الإنسان عن العبادة الحقيقية، لأنه لم يعد "بشرا سويا".
وبهذا تتجلّى الخفايا؛ إذا كانت آلية التكاثر البشري الحالي صفة كمال، فلماذا تنزّه الخالق عنها بشكل مطلق؟ حين قال في محكم التنزيل عن نفسه أنه "لم يلد ولم يولد"، "ولم يتّخذ صاحبة ولا ولدا"؟
هذا التنزيه الإلهي دليل على أن الشهوة والتناسل المادي صفات هوان شابت الكائن البشري وهي التي تستعبد الإرادة وتذلّ صاحبها أو تهينه.
أما الشيطان، فقد أدرك نقطة الضعف هذه؛ فاستغل غريزة الشهوات الجسدية وزرعها في تزاوج شاذّ بين المخلوقات الإبليسية و الآدمية ليضعفه ويهجّنه، ويحجر على "الروح" داخل زنزانة اللحم والدم. فأخرج للوجود هذا الكائن المسمّى "إنسان" بعد أن كان "بشرا" طاهرا مبرأً من العيوب المادية.
وإذا كان التزواج الجسدي من الصفات الحسنة والكاملة، فلماذا تنزّه الإله عن هذه الصفات وقال
"ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"
ثم قال عنه " ولم يتخذ شريكا؟ هل لأن هذه الأوصاف تحمل معنى النقص والحاجة، أم لأنها العلامة الفاصلة بين الخالق والمخلوق؟ فالإله لا تحكمه شهوة، ولا تذلّه رغبة، ولا يحتاج إلى غيره، بينما تم تعديل جينات البشر الوراثية، إلى إنسان يعيش حياته كلّها أسيرا لاحتياجات الجسد ومتطلّباته.
لتصير الشهوة هي نقطة الضعف الكبرى في الإنسان؛ فهي التي تجعله ينشغل بالمادة، ويغيب عن الروح، وتفتح الباب أمام كل أشكال الضعف والانحدار الاخلاقي.
ومن هذا المنطلق قد يتصور أن الشيطان لم يحتج إلى تدمير الإنسان بالقوة، بل يكفيه أن يرسٌخ فيه سلطان الشهوة حتى يبتعد بنفسه عن صفائه الأول، ويصبح عبدا عاصيا أسيرا لرغباته، فيخلفه من بعده نسل؛ مخلوق جديد لا تقوده الروح العليا بقدر ما تقوده الغريزة السفلى.
وعندئذ تغادر الروح السامية مركز القيادة، لأن طبيعتها تميل إلى الصدق والعلو، بينما يغرق الإنسان في عالم الرغبات الدنيا والمادّيات، حتى يصبح النظر إلى القيم والمثل النبيلة وكأنها عيب للحياة لا خلاص لها. فيتحول من بشر يبحث عن المعنى إلى إنسان لا يرى في الوجود إلا إشباع حاجاته الجسدية.
وعندما تبلغ هذه الحالة ذروتها، تغدو الأرض فضاء واسعا لتكاثر الإنسان الحيواني، وتتراجع المبادىء أمام سلطان الغريزة، ويعمّ الفساد، يمسي العالم كله وكأنه يدور في حلقة مغلقة من الشهوة والاستهلاك والتكاثر، فيبتعد عن الغاية الأولى التي قيل إن الإنسان خلق لأجلها، وهي عبادة الإله والارتقاء بالروح.
الإنسان الذي ولد نتيجة الحتمية لهذه التركيبة الغريزية المعقّدة، والتي شكّلت في كيانه اغتراب كامل للجانب الروحي عند كل مراحل حياته. فالروح، في جوهرها الميتافيزيقي والطبيعي، طاقة تسعى نحو الايجابية المطلقة والشفافية. لكن الجسد الإنساني بتركيبته الحالية المحكومة بإفرازات الهرمونات ومسارات النجاسة البيولوجية بات يرى في ذلك الصدق خطرا حقيقيا يهدّد بقاء شهواته ومصالحه المادية الصرفة.
هذا التناقض الصارخ دفع الإنسان إلى التخلّي التدريجي عن بعده الروحي؛ فتحول عبر الزمن من "كائن بشري" تحرّكه طاقة الإله، إلى "كائن مهجّن" قتل الروح وباع قربانها في سبيل تلبية نزواته الطاغية. وبما أن السلبية أصبحت هي المحرّك الفعلي والوحيد لوعيه وسلوكه، فقد تراجعت الخصوصية الآدمية المقدّسة.
والخلاصة السوداوية للوجود الحالي؛ وبفعل هذا الهبوط الجيني والبيولوجي، انقلبت الأرض من مسجد إلى ما يشبه "الحظيرة الكبرى" لتكاثر " الحيوان الإنسان" مدفوعا بآلياته الغريزية المحضة. فتحطّم الحلم الآدمي الطاهر تحت وطأة الغواية الإبليسية التي نجحت في عزل وحجز الروح داخل زنزانة الطين فحسب.

تعليقات
إرسال تعليق