بقلمي زينب كاظم
كانت الشمس تميل نحو المغيب حين جلست "زينب" في الحديقة العامة، تتأمل حركة الناس وهدير المدينة العابر. زينب، السيدة الواعية المثقفة التي ورثت عن عائلتها شغف الكلمة وفصاحة اللسان ولباقتهم، كانت دائماً ترى الكلمة مسؤولية، والسكوت عن الخطأ شقاقاً في جدار المجتمع لا يمكنها القبول به.
على المقعد المجاور، جلس شاب في مقتبل العشرين، تبدو على ملامحه أمارات الإحباط والضياع. كان يتحدث بصوت مسموع مع صديق له، وبدأت كلماته تتدفق بسوداوية غريبة ومستفزة: "الحياة بلا قيمة.. كل من يتجاوز الخمسين يصبح عبئاً على الأرض، الأفضل لو ينتهي أمرهم ليرتاحوا ويريحوا! اشعنده عايش؟ حتى الدين لم يعد يقنع أحداً بغير ذلك...".
وقعت الكلمات على مسامع زينب كالصاعقة. انتفضت غيرتها على الحق وعقيدتها ودينها، ولم يحتمل وعيها أن يمر هذا الفكر الهدام والشاذ بسلام. التفتت إليه بهدوء الواثق، وبدأت تحاوره. تدفقت الآيات القرآنية من ذاكرتها كشلال عذب، واستعانت بالمنطق والحجج الفكرية لتفكيك سوداويته.
كانت تتحدث بحماس جارف، وبسبب غزارة الأفكار وتراكم المعلومات في مخها ورغبتها في صياغة كل شيء بلباقة متناهية وإيصال الفكرة كاملة، بدأت تشعر بضيق في نَفَسِها، وتسارعت دقات قلبها وخفقانه، وهو عارض صحي وراثي تعرفه جيداً.
في تلك الأثناء، التفت إليها ابنها الذي كان يرافقها، وأشار إليها بهدوء حذر وقلق: "أمي، أرجوكِ اصمتي.. هذا شاب عابر في طريقنا وأفكاره عقيمة، لا تجهدي نفسكِ ولا تضيعي طاقة قلبكِ مع شخص لا يستحق". بينما كانت ابنتها تنظر للأمر بزاوية أخرى وترى أن السائق يستحق هذا الردع والتصحيح.
لكن زينب، مدفوعةً بمسؤوليتها الثقافية والأخلاقية، تابعت الحديث لدقائق أخرى بثبات، حتى صمت الشاب فجأة، وبدت عليه علامات التراجع، ثم قال بصوت خفيض: "صحيح.. هناك آية تذكرتها الآن، كلامكِ مضبوط يا سيدتي".

تعليقات
إرسال تعليق