النفقة الزوجية: من أروقة المحاكم إلى صراع داخل الأسرة
بقلم: حسين عبيد
عندما تختفي فصول الحنين، وتبهت الرسائل التي كانت يومًا نابضة بالمشاعر، ويتراجع الحب أمام زحام الخلافات… يبدأ الصراع.
ليس فقط صراعًا قانونيًا، بل صراعًا داخليًا يمزّق ما تبقى من إنسانية العلاقة.
يدخل الزوجان في معركة غريبة؛ بين ابتسامة مكسورة وغضب متراكم، بين ذكريات كانت دافئة وواقع أصبح باردًا. فلا يعود أحدهما يتذكر لحظات القرب، بل ينشغل كل طرف بسؤال واحد: من المنتصر؟
لكن الحقيقة التي يغفلها الطرفان… أن لا أحد ينتصر.
الجميع خاسر، حتى وإن ظنّ أحدهم أنه ربح جولة داخل أروقة المحاكم.
وفي خضم هذا الصراع، يقف الأبناء في زاوية المشهد… بلا صوت.
لا أحد ينظر إليهم، ولا أحد يسأل عمّا يدور داخلهم.
هم ضحايا سوء الفهم، وضحايا الغضب، وضحايا لحظة قرر فيها الكبار أن ينتصروا لأنفسهم، فخسروا كل شيء.
الأم تحاول أن تلتقط بقايا الاستقرار، والأب قد يغرق في صراع إثبات الذات أو فرض السيطرة، وبين هذا وذاك، تتساقط ملامح الأسرة قطعةً قطعة.
وفي هذا السياق، حرص المشرع المصري على حماية الحقوق الأساسية لأفراد الأسرة، فنصت المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة 1920 بشأن أحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية على أن:
"تجب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلمت نفسها إليه، ولو حكمًا، وتشمل النفقة الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضي به الشرع".
ويؤكد هذا النص أن النفقة ليست أداة للخصومة أو وسيلة للانتقام، بل حق قانوني يهدف إلى صون كرامة أفراد الأسرة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
أتذكر جيدًا…
كنت أبحث عن زوجتي بين غرف الشقة، أطرق بابها بابتسامة، وأنتظر ردها بشوق.
واليوم… أبحث عنها في غرفة المحكمة، لا لأراها، بل لأواجهها.
فكيف تحوّل الدفء إلى جفاء؟
وكيف صار القرب خصومة؟
وكيف فقدنا ما كان يجمعنا دون أن نشعر؟
ربما لأننا، ببساطة، حين اختلفنا… لم نختلف باحترام،
وحين غضبنا… لم نُحسن الغضب،
وحين قررنا أن ننتصر… لم ندرك أن الأسرة لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق الرحمة.
في النهاية، لا تكون المأساة في الطلاق ذاته، بل في الطريقة التي يحدث بها.
فإما أن يخرج الجميع بأقل الخسائر… أو نترك خلفنا جيلًا كاملًا يدفع ثمن لحظة لم نحسن التعامل معها.أروقة_القانون_وحياة_الناس

تعليقات
إرسال تعليق