د. رشا ربيع الجزار
بينما تتسارع الأزمات العالمية وتتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية، يلوح في الأفق تهديد من نوع مختلف، لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يمتد أثره إلى كل بيت واقتصاد ودولة؛ إنه تهديد مناخي يتشكل بصمت في أعماق المحيط الهادئ، حيث تعود ظاهرة "النينو" إلى الواجهة، حاملة معها احتمالات التصعيد إلى مستويات غير مسبوقة خلال عام 2026.
تشير التقديرات الصادرة عن المنظمات المناخية الدولية إلى ارتفاع احتمالات تشكل نينو قوية خلال العام الجاري، مع توقعات باستمرارها لفترات ممتدة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من دخول العالم في موجة جديدة من الاضطرابات المناخية الحادة.
ولا تكمن خطورة نينو 2026 في كونها ظاهرة طبيعية فحسب، بل في توقيتها الحرج، إذ تأتي في ظل عالم يعاني بالفعل من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية. هذا التداخل بين الظواهر الطبيعية والتغيرات الناتجة عن النشاط البشري قد يضاعف من حدة التأثيرات ويجعلها أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
تاريخيًا، ارتبطت موجات النينو القوية بارتفاع درجات الحرارة عالميًا، وحدوث موجات جفاف قاسية في بعض المناطق، مقابل فيضانات مدمرة في مناطق أخرى، فضلًا عن اضطرابات واضحة في الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد الغذائي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق.
وفي هذا السياق، يحذر الخبراء من أن عام 2026 قد يشهد تسجيل أرقام قياسية جديدة في درجات الحرارة، مع تزايد احتمالات الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حر غير مسبوقة إلى أمطار غزيرة وعواصف عنيفة، بما يضع العديد من الدول أمام تحديات حقيقية تتعلق بالأمن الغذائي والمائي.
ورغم أن مصطلح "النينو الخارقة" لم يُحسم علميًا حتى الآن، فإن المؤشرات الحالية تدفع نحو التعامل مع السيناريو الأكثر حذرًا، خاصة في ظل تسارع التغيرات المناخية عالميًا.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الظاهرة ذاتها، بل في مدى جاهزية العالم للتعامل معها. فالتأخر في اتخاذ إجراءات استباقية قد يضاعف من حجم الخسائر، بينما يمكن للاستعداد المبكر أن يخفف من حدة التأثيرات بشكل كبير.
من هنا، تصبح الحاجة ملحة لتعزيز نظم الإنذار المبكر، وتطوير سياسات التكيف المناخي، وإعادة النظر في أنماط استهلاك الموارد، بما يضمن تقليل الهشاشة أمام مثل هذه الظواهر المتكررة.
وفي النهاية، قد لا يكون بإمكان العالم منع حدوث النينو، لكنه يملك القدرة على تقليل آثارها… إذا تحرك في الوقت المناسب.
"في عالمٍ يزداد هشاشة، لا تكمن الكارثة في قوة الظواهر… بل في ضعف الاستعداد . رشا الجزار

تعليقات
إرسال تعليق