القائمة الرئيسية

الصفحات

أروقة القانون... وحياة الناس (1) أنا معترف... أنا بريء



بقلم: حسين عبيد

في أروقة المحاكم، تتردد كلمات قد تبدو حاسمة في نظر العامة: "أنا أعترف". وعادةً ما يتبادر إلى الأذهان أن الاعتراف نهاية الطريق، وأن المتهم الذي أقر بما نُسب إليه قد حُسم أمره وأصبحت إدانته مؤكدة. لكن القانون ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، أكثر دقة وعدالة.

فالاعتراف، رغم أهميته، ليس دليلًا مطلقًا ولا يكفي وحده لإدانة المتهم. فالقضاء لا يبحث عن كلمات تُقال، بل عن حقيقة تثبت بالأدلة المشروعة واليقين القضائي. ولهذا قد نشهد حالات اعترف فيها أشخاص بارتكاب جرائم، ثم انتهت المحاكم إلى الحكم ببراءتهم.

وقد يرجع ذلك إلى أن الاعتراف جاء نتيجة إكراه مادي أو معنوي، أو بسبب ضغوط نفسية دفعت المتهم إلى قول ما لا يعبر عن الحقيقة. كما قد يتبين للمحكمة أن الاعتراف يتعارض مع الوقائع الثابتة أو الأدلة الفنية، فتطرحه جانبًا وتستند إلى ما اطمأنت إليه من أدلة أخرى.

وفي هذا السياق، يرسخ القانون مبدأً جوهريًا يتمثل في أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. فلا يجوز أن تتحول كلمات الاعتراف إلى قيد على ضمير القاضي، ولا أن تكون بديلًا عن التحقيق الجاد والبحث الموضوعي عن الحقيقة.

إن العدالة الحقيقية لا تقف عند حدود الاعتراف، بل تمتد إلى فحص ظروفه ومدى سلامته ومشروعيته. ولهذا فإن الاعتراف الذي لا تؤيده الأدلة، أو الذي يشوبه بطلان قانوني، يفقد قيمته ولا يصلح أساسًا للحكم بالإدانة.

ومن هنا تبدو العبارة "أنا معترف... أنا بريء" أقل غرابة مما قد يتصور البعض. فهي تعبر عن حقيقة قانونية مفادها أن العدالة لا تُبنى على الانطباعات، بل على الأدلة الصحيحة والإجراءات السليمة واحترام حقوق الإنسان.

فبين الاعتراف والإدانة مسافة قد تكون قصيرة أحيانًا، لكنها في دولة القانون لا تُقطع إلا عبر طريق واحد: طريق العدالة.

وللحديث بقية في أروقة القانون... وحياة الناس.

تعليقات