القائمة الرئيسية

الصفحات

وَلَنَا فِي الزِّبَالَةِ... أَدَبٌ


بقلم الأديب المصري

 د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة


المُقَدِّمَةُ الهِتْلَرِيَّةُ: لَيْسَ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ خِطَابًا، بَلْ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ صَدْمَةً تُوقِظُ النَّائِمَ.


سَمَّيْتُهَا كَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَيْكَ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، مِنْ غَيْرِ مَسَاحِيقَ، وَلَا لُغَةٍ مُهَذَّبَةٍ تُخَفِّفُ وَقْعَ الحَقِيقَةِ.

فَبَعْضُ الحَقَائِقِ لَا تَطْرُقُ البَابَ بِرِفْقٍ، بَلْ تَكْسِرُهُ.


نَحْنُ نُحِبُّ البُيُوتَ النَّظِيفَةَ، وَلَكِنَّنَا نَشْمَئِزُّ مِمَّنْ يَنْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَرْفَعَ الزِّبَالَةَ.

نُحِبُّ القَصَائِدَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ النُّورِ، ثُمَّ نَغْضَبُ مِنَ الكَاتِبِ الَّذِي يُرِيكَ الظَّلَامَ الَّذِي فِيكَ.


وَلَكِنْ…

لَا نَظَافَةَ تَحْدُثُ وَحْدَهَا.


كُلُّ بَيْتٍ مُرَتَّبٍ، وَرَاءَهُ يَدٌ غَسَلَتْ وَمَسَحَتْ وَاحْتَمَلَتْ رَائِحَةَ الكُلُورِ.

وَكُلُّ نَصٍّ يَهُزُّ رُوحَكَ، وَرَاءَهُ كَاتِبٌ نَزَلَ إِلَى أَعْمَقِ مَا فِيكَ: خَوْفِكَ، وَفَشَلِكَ، وَخِيَانَتِكَ، وَلَحْظَاتِ الذُّلِّ الَّتِي تُخْفِيهَا حَتَّى عَنْ نَفْسِكَ.


الأَدَبُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ القُبْحِ، هُوَ نَفْسُهُ قَبِيحٌ. لِأَنَّ أَنْظَفَ مَا فِيهِ هُوَ الوَرَقُ الَّذِي طُبِعَ عَلَيْهِ.


أَمَّا الأَدَبُ الحَقِيقِيُّ، فَهُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَمْلُكُ الشَّجَاعَةَ لِيَنْظُرَ إِلَى القَاعِ دُونَ أَنْ يُدِيرَ وَجْهَهُ.


وَهَذَا المَقَالُ…

مِرْآةٌ غَيْرُ مَكْسُورَةٍ.


١. كُلُّ حَضَارَةٍ تَحْتَاجُ مَنْ يَلُمُّ القَاذُورَاتِ. الحَضَارَاتُ تُحِبُّ وَاجِهَاتِهَا النَّظِيفَةَ: القُصُورَ، وَالخُطَبَ، وَالأَخْلَاقَ المُعَلَّقَةَ عَلَى الجُدْرَانِ.


لَكِنَّهَا لَا تَبْقَى نَظِيفَةً بِالخُطَبِ وَحْدَهَا، بَلْ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ لِيُزِيلُوا مَا تَعَفَّنَ.


وَالأَدِيبُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. إِلَّا أَنَّهُ لَا يَلُمُّ زِبَالَةَ الشَّارِعِ، بَلْ زِبَالَةَ الرُّوحِ:

فَشَلًا قَدِيمًا، وَإِهَانَةً لَمْ تُنْسَ،

وَخِيَانَةً تَتَعَفَّنُ فِي الصَّدْرِ، وَكَلِمَاتٍ قِيلَتْ فِي الغَضَبِ وَلَمْ تَمُتْ.


أَنَا أُسَمِّي هَذَا: "أَدَبَ الزِّبَالَةِ".


لَيْسَ لِأَنَّهُ أَدَبٌ رَخِيصٌ، بَلْ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى الخَامَاتِ الَّتِي يَرْمِيهَا المُجْتَمَعُ ثُمَّ يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ.


٢. نَحْنُ جَمِيعًا نُعِيدُ التَّدْوِيرَ


كَمَا يَأْخُذُ عَامِلُ النَّظَافَةِ كِيسَ المُخَلَّفَاتِ فَيُفَرِّزُهُ إِلَى وَرَقٍ وَحَدِيدٍ وَزُجَاجٍ، يَأْخُذُ الأَدِيبُ الوَجَعَ الإِنْسَانِيَّ وَيُحَوِّلُهُ إِلَى مَعْنًى.


العَمَلِيَّةُ وَاحِدَةٌ: فَصْلٌ، وَتَنْظِيفٌ، وَإِعَادَةُ تَشْكِيلٍ. الفَيْلَسُوفُ يُعِيدُ تَدْوِيرَ الأَسْئِلَةِ القَدِيمَةِ. وَالأَدِيبُ يُعِيدُ تَدْوِيرَ الجُرُوحِ القَدِيمَةِ. وَالأُمُّ تُعِيدُ تَدْوِيرَ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ.


وَرُبَّمَا لِهَذَا لَا يُصَفِّقُ أَحَدٌ لِمَنْ يُنَظِّفُونَ العَالَمَ… لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَبْدُو عَادِيَّةً بَعْدَ أَنْ تَنْجَحَ.


٣. لَمَّا نَزَلَ الكِبَارُ إِلَى القَاعِ


فيودور دوستويفسكي فِي "مذكرات من تحت الأرض" لَمْ يَكْتُبْ بَطَلًا نَبِيلًا، بَلْ رَجُلًا مَهْزُومًا، حَقُودًا، يَكْرَهُ نَفْسَهُ وَالعَالَمَ.

كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْفِي هَذَا القُبْحَ، لَكِنَّهُ فَعَلَ العَكْسَ: أَخْرَجَهُ لِلنُّورِ.

فَصَارَتِ المُخَلَّفَاتُ النَّفْسِيَّةُ مِرْآةً لِلإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا.


غابرييل غارثيا ماركيز فِي "مئة عام من العزلة" لَمْ يُخْفِ العَفَنَ التَّارِيخِيَّ وَلا الحُرُوبَ وَلا الخَطَايَا العَائِلِيَّةَ.

أَخَذَ كُلَّ ذَلِكَ، وَخَلَطَهُ بِالسِّحْرِ وَالشِّعْرِ، فَخَرَجَتْ مَلْحَمَةٌ تُقْرَأُ فِي العَالَمِ كُلِّهِ.


شارل بودلير فِي "أزهار الشر" فَعَلَ شَيْئًا أَخْطَرَ: حَوَّلَ القُبْحَ نَفْسَهُ إِلَى جَمَالٍ. فَكَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الوَرْدَةَ قَدْ تَخْرُجُ أَيْضًا مِنْ أَرْضٍ مُلَوَّثَةٍ.


٤. لِمَاذَا نَخَافُ مِنْ هَذَا الأَدَبِ؟


لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الوَهْمَ.


يَقُولُ لَكَ: إِنَّ البَيْتَ الَّذِي يَبْدُو مُرَتَّبًا مِنَ الخَارِجِ، قَدْ يَكُونُ مُتَخَمًا بِالفَوْضَى مِنَ الدَّاخِلِ.


وَنَحْنُ نُفَضِّلُ الوَهْمَ عَلَى المُوَاجَهَةِ. لِذَلِكَ نُسَمِّي هَذَا الأَدَبَ:

"قَذِرًا"، "هَابِطًا"، "لَا يَلِيقُ".


نَفْعَلُ مَعَ الأَدَبِ مَا نَفْعَلُهُ مَعَ عَامِلِ النَّظَافَةِ: نَأْخُذُ النَّظَافَةَ… وَنَتَجَاهَلُ مَنْ تَحَمَّلَ القَذَارَةَ لِأَجْلِهَا.


٥. الخَاتِمَةُ


الحَضَارَاتُ لَا تَنْهَارُ حِينَ يَكْثُرُ القُبْحُ، بَلْ حِينَ تَفْقِدُ القُدْرَةَ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ.


فَالزِّبَالَةُ الَّتِي تُرَى يُمْكِنُ حَمْلُهَا،

أَمَّا الزِّبَالَةُ الَّتِي تُخْفَى، فَهِيَ الَّتِي تَتَعَفَّنُ دَاخِلَ الجُدْرَانِ حَتَّى تُسْقِطَ البَيْتَ كُلَّهُ.


كَرَامَةُ مَنْ يَلُمُّونَ الفَوْضَى هِيَ مَا يُبْقِي العَالَمَ قَابِلًا لِلْعَيْشِ.


أُمٌّ تَلُمُّ فَوْضَى البَيْتِ، وَعَامِلُ نَظَافَةٍ يَلُمُّ قَاذُورَاتِ الشَّارِعِ،

وَأَدِيبٌ يَلُمُّ فَوْضَى الرُّوحِ وَيَقُولُ لَكَ: "انْظُرْ… هَذِهِ أَنْتَ."


أَدَبُ الزِّبَالَةِ لَيْسَ عَيْبًا.

العَيْبُ أَنْ نُغَطِّي العَفَنَ بِالعِطْرِ، ثُمَّ نُسَمِّي ذَلِكَ: ذَوْقًا.

تعليقات