بقلم/ محمد الشحات سلامة (محرر إعلامي وصحفي)
تحتفظ الذاكرة الوطنية المصرية بسجل حافل من الرجال الذين لم يكن العطاء لديهم مجرد واجب وظيفي، بل عقيدة راسخة تُترجم بجهدٍ وعرق وفكر مستنير في كل موقع يحلّون به. وفي طليعة هؤلاء الرجال البارزين، يبرز اسم سيادة اللواء أركان حرب/ طارق مهدي عبد التواب؛ القائد الذي جمع بين صرامة وانضباط العسكرية المصرية العريقة، وبين مرونة وعمق الرؤية السياسية والإدارية الحديثة.
إن قراءة السيرة الذاتية لسيادة اللواء طارق مهدي لا تعني فقط استعراض تدرج وظيفي، بل هي إبحار في رحلة تميز علمي وعملي فريدة، تشكل نموذجاً يُلهم الأجيال ويجسد معنى القيادة الحقيقية.
تأصيل علمي رفيع وفكر استراتيجي عابر للحدود
لم يتوقف الطموح المعرفي لدى القائد طارق مهدي عند حد؛ فقد تخرج في فبراير 1973 حاملاً بكالوريوس الهندسة الفنية العسكرية، بالتزامن مع بكالوريوس العلوم العسكرية، لتبدأ رحلة طويلة من صقل المهارات والعلوم الاستراتيجية والسياسية والتشريعية، ومن أبرز محطاتها العلمية:
دبلومات دولية وعميقة: دبلومة السياسات الدولية من جامعة القاهرة، ودبلومة السياسات الدولية من جامعة "كيل" العريقة في ألمانيا.
تخصصات نوعية حاسمة: حصل على دبلومات في "إدارة الأزمات والتفاوض" و"القانون الدولي الإنساني"، مما منحه بعداً قانونياً وإدارياً صارماً في التعامل مع الملفات الدولية والمحلية الشائكة.
التأهيل العسكري الأعلى: نال أرقى الدورات العسكرية بامتياز، ومنها دورة أركان حرب، ودورة أكاديمية ناصر العليا للحرب، ودورة كبار قادة القوات المسلحة، ودورة ملحقين عسكريين. بالإضافة إلى دورة قائد كتائب ودورة اللغة الإنجليزية بالولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن كونه باحثاً لدرجة الدكتوراه.
مسيرة ميدانية صاغت النصر وحمت سماء الوطن
امتدت المسيرة المهنية لسيادته في صفوف القوات المسلحة المصرية على مدار عقود، تدرج خلالها في أدق المناصب العسكرية وأكثرها حساسية، حيث بدأ ضابطاً لتوجيه الصواريخ في عام 1976، وتولى مهام التدريس بكلية الدفاع الجوي حتى عام 1978، ليقود بعدها بنجاح كتائب الصواريخ في الفترة من 1981 إلى 1983، ثم قائداً لكتيبة بالقصاصين حتى عام 1986، ثم رئيساً لمحور تنسيق عمليات الدفاع الجوي (1989-1990).
وتألق سيادته في السلك الدبلوماسي العسكري كـ ملحق دفاع لجمهورية مصر العربية في ألمانيا حتى عام 1993، مما عزز خبراته في التعاون الدولي والتنسيق الاستراتيجي. وتوالت القيادات الرفيعة ليتولى قيادة لواء صواريخ حتى عام 1995، ثم رئيساً لفرع التخطيط بالدفاع الجوي (1996-1998) حيث كان المسؤول الأول والمباشر عن خطط العمليات وتأمين المواقع القتالية والإعاشة والتسليح الجديد. ومن ثم تربع على قمة الهرم القيادي كقائد للفرقة الثامنة دفاع جوي حتى عام 2003، ورئيس شعبة التدريب حتى عام 2005، ورئيس أركان قوات الدفاع الجوي (2005-2010)، وصولاً لتعيينه مساعداً لوزير الدفاع وعضواً في المجلس الأعلى للقوات المسلحة في اللحظة التاريخية الفارقة في يناير 2011.
رجل المهام الوطنية الصعبة في المشهد التنفيذي والسياسي
لم تكن العسكرية والقيادة الميدانية هي الساحة الوحيدة لتميز اللواء طارق مهدي، بل استدعت الدولة خبراته الفذة لإدارة ملفات مدنية وتنفيذية بالغة الحساسية والأهمية في مرحلة دقيقة من تاريخ مصر الحديث:
الإعلام الوطني: تولى منصب القائم بأعمال وزير الإعلام في يوليو 2011، ليقود دفة الإعلام الرسمي برؤية وطنية منضبطة وسط أمواج سياسية متلاطمة.
محافظ الوادي الجديد (أغسطس 2011 - يونيو 2013): حيث وضع بصماته التنموية في أكبر محافظات مصر مساحة وفتح آفاقاً جديدة للاستثمار.
محافظ البحر الأحمر (يونيو 2013 - أغسطس 2013): أدار ملف هذه المحافظة الاستراتيجية والسياحية بكفاءة واقتدار وحزم قاطع.
محافظ الإسكندرية (أغسطس 2013 - فبراير 2015): قاد عروس البحر الأبيض المتوسط في واحدة من أصعب الفترات السياسية والخدمية، مبرهناً على حنكة إدارية وقدرة فريدة على التواصل المباشر مع الشارع وحل الأزمات الميدانية المستعصية.
تمثيل دولي مشرف وتكريمات رفيعة لرحلة العطاء
مثل اللواء أركان حرب طارق مهدي الدولة المصرية وقواتها المسلحة نائباً عن السيد وزير الدفاع في العديد من المؤتمرات الدولية الكبرى والقمم الرئيسية مع الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأفريقي، متحدثاً ومفاوضاً في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب، والبيئة، والسياسة، وتطوير المدن (من عام 2005 إلى 2011).
هذه المسيرة الاستثنائية تكللت بقلائد الشرف والأوسمة الرفيعة التي تُمنح لرجال مصر المخلصين، والتي تزين صدره، ومن أبرزها:
نوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى.
نوط الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة من الطبقة الأولى.
نوط الخدمة العسكرية الممتازة ونوط التدريب.
نوط الجمهورية العسكري، ونوط السادس من أكتوبر، ونوط الخامس والعشرين من أبريل (تحرير سيناء).
نوط تحرير الكويت، وميدالية الذكرى الخمسين لثورة 1952، وميدالية يوم الدفاع الجوي.
خاتمة:
إن السيرة الذاتية لسيادة الوزير اللواء طارق مهدي عبد التواب ليست مجرد صفحات تُقرأ في كتاب التاريخ، بل هي مدرسة وطنية متكاملة في التخطيط، والإدارة، والعطاء بلا حدود. رجلٌ وهب حياته لخدمة تراب هذا الوطن، حاملاً السلاح بيد لحماية سمائه، وممسكاً بملفات التنمية والإدارة باليد الأخرى، فاستحق أن يظل اسماً محفوراً بحروف من نور في سجلات الشرف والوفاء للوطن الغالي مصر.

تعليقات
إرسال تعليق