بقلم: أسماء عبده
قديما كان الطفل إذا بكى في المدرسة، يعود إلى البيت محمّلًا بالحكايات.
أما اليوم…
فقد يعود محمّلًا بالكراهية، ونحن لا نلاحظ شيئًا.
يأكل بشكل طبيعي، يضحك أمامنا، يشاهد فيديوهات “التيك توك” كأي طفل، ثم نطمئن لأن “ابننا مؤدب”…
ببساطة لأننا لم نره يرفع صوته في البيت. لكن… هل سألنا أنفسنا يومًا السؤال المرعب:
هل نعرف أولادنا فعلًا؟ أم أننا نعرف فقط “النسخة” التي تمثل أمامنا خوفًا من العقاب، بينما تخفي خلفها كائنًا لا نشبهه… ولا يشبهنا؟
الحقيقة العارية: حين تبلدت القلوب
صرنا نستيقظ على أخبار تبدو أكبر من أعمار أصحابها… أخبار لا توصف إلا بأنها “جحيم” حقيقي.
أطفال يضربون زميلهم بعنف وحقد حتى تتوقف كليته، ثم يتنمرون على جسده ووزنه، بينما زملاء آخرون يشاهدون المشهد دون استغاثة، وفي غياب مرعب من إدارة المدرسة.
طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة… تعطي زميلتها “حبة غلة” سامة، وتقنعها بابتسامة باردة أنها مجرد دواء “لزيادة الوزن وتحسين المظهر”، فيسقط جسد الطفلة الصغيرة في تسمم حاد، وتدخل المستشفى بين الحياة والموت… فقط لأنها رفضت أن تسمح لها بالغش.
وفي الإسماعيلية… طفل في الثالثة عشرة يستدرج زميله إلى منزله، ثم يقتله ويقطع جسده بـ”منشار”، وفي التحقيقات يعترف ببساطة مرعبة: أنه كان يقلد ما يشاهده في أفلام الرعب وألعاب الفيديو العنيفة.
وفي محافظة أخرى… طفلان يقتلان جارتهما بسبب كلمة سر شبكة “واي فاي”.
وطالبة بالثانوي تشارك في قتل طفلة صغيرة تُدعى “مريم” فقط لسرقة هاتفها المحمول، وكأن الهاتف أصبح أغلى من روح إنسان.
أما الأكثر رعبًا… فهو الأطفال الذين لم يقتلهم أحد بيده، بل قتلتهم الكلمات.
طفلة تنهي حياتها بعد تنمر متواصل داخل المدرسة.
وطفلة أخرى تُدعى “حور” تحاول الانتحار للسبب نفسه، بعدما تحولت المدرسة من مكان للتعلم… إلى ساحة إذلال يومية.
ونجلس نحن مصدومين نردد: معقول؟ أطفال؟!”
نعم… أطفال في العمر، لكنهم في أحيان كثيرة يحملون داخلهم غضبًا وقسوة أكبر من أعمارهم بسنوات.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا فعلوا؟
بل: أي نوع من البشر نصنع داخل بيوتنا الآن؟
التربية بالهاتف… صناعة “الوحوش الصامتة”
المرعب أن بعض الآباء يظنون أن “التربية الحديثة” تعني توفير الرفاهية فقط.
الأب والأم “الصخريان” عاطفيًا، يهربان من ضجيج الطفل ومسؤولية احتوائه بإعطائه “المخدر” الأسهل: الهاتف.
الطفل يبكي؟ أعطه شاشة. الطفل يشعر بالملل؟ أعطه شاشة. الطفل يريد اهتمامًا؟ افتح له فيديوهات واتركه وحده.
ثم يبتسم الأهل براحة: “الحمد لله… ابني هادئ ولا يزعج أحدًا.”
بينما الحقيقة المؤلمة…
أن الهاتف لا يربي طفلًا هادئًا، بل يربي طفلًا منفصلًا عن البشر.
طفلًا يتعلم مشاعره من “الخوارزمية”، وأخلاقه من “الترند”، وردود فعله من فيديوهات السخرية والإذلال والعنف التي تحقق ملايين المشاهدات.
هذه “المربية الرقمية” لا تعلم الرحمة…
بل تعلم أن الألم “مشهد مضحك”، وأن الصراخ “محتوى”، وأن القسوة وسيلة للشهرة والانتصار.
مرآة مكسورة: هل نحن سويّون أصلًا؟
قبل أن نحاكم هؤلاء الأطفال... فلنضع “جيل الآباء” نفسه تحت مجهر مغسلة العقول.
هل نحن أصلًا جيل سوي نفسيًا؟
نحن جيل تربى نصفه داخل الإنترنت، يهرب من ضغطه بالشاشات، ويعيش مشتتًا، مرهقًا، فاقد الصبر، سريع الغضب، ومنهكًا عاطفيًا.
كيف لجيل لم يتعافَ من تشوشه… أن يربي طفلًا متزنًا؟ بعض الأمهات لا يسلمن الهاتف لأطفالهن حبًا في التكنولوجيا…
بل هربًا من “دوشة” التربية.
ومع كل ساعة يقضيها الطفل وحيدًا أمام الشاشة، تسقط قشرة جديدة من إنسانيته.
يفقد القلب حساسيته بالتدريج. ويتحول الإنسان أمامه… إلى “عائق”، أو “أداة”، أو مجرد وسيلة للحصول على ما يريد. حتى لو كان الثمن… حياة إنسان آخر.
بارعون في التمثيل
الأخطر… أن هؤلاء الأطفال أصبحوا بارعين في “التمثيل". يعرف متى يبتسم أمامك، ومتى يتظاهر بالأدب، بينما يخفي خلف قفل الشاشة: حسابات سرية، ولغة بذيئة، وشخصية انتقامية لا تعرف عنها شيئًا.
نحن لا نعيش فقط أزمة “عنف”…بل أزمة “تزييف". أطفال يتعلمون مبكرًا كيف يخفون حقيقتهم، وكيف يعيشون بشخصيتين: واحدة داخل البيت… وأخرى في العالم الرقمي المظلم.
كلمة أخيرة..
ربما لم يعد السؤال اليوم: “هل أولادنا متفوقون؟”
بل السؤال الحقيقي المرعب: هل ما زالت قلوبهم حيّة أصلًا؟
يا كل أب وأم…
الصخر لا ينبت زهورًا، والبرود العاطفي لا يخرج إلا أطفالًا يحرقون العالم من حولهم بحثًا عن شعور حقيقي.
قبل أن تفتخر بهدوء طفلك…
اذهب واختبر “نبضه الإنساني”.
تأكد أنه لا يزال يعرف: كيف يحزن، وكيف يشعر بغيره، وكيف يخاف على إنسان يتألم.
اغسلوا عقولكم من وهم “الموبايل المربي”…
فالهاتف قد يمنحكم الصمت، لكنه أحيانًا… يسرق من أطفالكم
الروح.

تعليقات
إرسال تعليق