القائمة الرئيسية

الصفحات

قراءة فى آية الهدى والأضحية


بقلم الأديب الدكتور:

كامل عبد القوي النحاس 


بناء البيت وبناء الأمة

مفهوم قوله تعالى:


﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾


لم تكن لحظةُ الفداء في تاريخ الإيمان حادثةً عابرة تُروى للتأثر، ولا مشهدًا دراميًا يُستعاد في مواسم العيد ثم يُطوى مع الأيام، بل كانت من أعظم اللحظات المؤسسة لمعنى العبودية في تاريخ الإنسان كله.


هناك، فوق أرضٍ جرداء، وفي قلب الصحراء التي لا تستند إلا إلى الله، وقف إبراهيم عليه السلام ممسكًا بالسكين، لا لأنه رجل قاسٍ يحب الدماء، بل لأنه نبيٌّ تجرَّد قلبه لله حتى صار مستعدًا أن يبذل أحب ما يملك إذا جاءه الأمر من السماء.


ولم يكن الامتحان في الذبح ذاته، فالله سبحانه قادر على أن يأمر بما يشاء، لكنه أراد أن يكشف للإنسان حقيقة الدين: أن الله لا يريد الجسد قبل القلب، ولا الحركة قبل النية، ولا الدم قبل التقوى.


ولهذا جاءت الصيحة القرآنية الحاسمة التي تهدم أوهام الوثنيات القديمة كلها:

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾.


إنها آية تقلب المفاهيم رأسًا على عقب.

فالناس عبر العصور ظنوا أن الآلهة تُرضى بالقرابين، وأن الدماء تصعد إليها فتغسل غضبها، حتى امتلأت الأرض بمذابح البشر والحيوان، ووقف الإنسان الوثني أمام معابده يقدم الدم وهو يظن أن الإله يجوع أو يعطش أو يحتاج.


فجاء الإسلام ليعلن الحقيقة الكبرى:

الله غني عن العالمين.

لا تزيد في ملكه ذبيحة، ولا تنقص منه الدنيا كلها.

إنما الذي يصعد إليه شيء آخر:

﴿وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾.


وهنا يتحول معنى الأضحية كله.

فالقضية ليست في الدم المسفوح على الأرض، بل في الأنانية التي تُذبح داخل النفس.

ليست في حركة السكين، بل في تحرر القلب من عبودية الدنيا.

ليست في كثرة اللحوم، بل في صدق العبودية.


لقد كان إبراهيم قادرًا أن يذبح ألف شاة، لكن الله لم يختبره في أمواله، بل اختبره في قلبه.

وكان إسماعيل هو موضع البلاء لأنه أحبُّ ما يملك، ولأن الله أراد أن يرفع هذا القلب إلى مقام التوحيد الكامل، حيث لا يزاحم حبُّ الله شيءٌ في الأرض.


فلما بلغ إبراهيم ذروة التجرد، وتحقق المقصود من الامتحان، جاء الفداء رحمةً من الله، وكأن السماء تقول للبشرية كلها:

لسنا نريد المأساة لذاتها، ولا نعشق الدماء كما تتوهم الوثنيات، وإنما نريد قلوبًا تعرف الله حق المعرفة.


ومن يومها تحولت الأضحية إلى ذكرى خالدة لهذا المعنى العظيم.

إنها ليست عادةً غذائية، ولا مظهرًا اجتماعيًا، بل استعادة سنوية لدرس الفداء الأول؛ ولذلك لم تُشرع للحاج وحده، بل شُرعت للأمة كلها، حتى تعيش الأمة — ولو كانت بعيدة عن مكة — حالة المشاركة الوجدانية في نسك إبراهيم.


فكل بيتٍ ترتفع فيه التكبيرات يوم العيد، وكل يدٍ تمتد بالصدقة، وكل قلبٍ يستحضر قصة الذبح والفداء، إنما يعلن انتسابه الروحي إلى ذلك الركب الإبراهيمي العظيم الذي بنى البيت الحرام، وبنى معه معنى الأمة المؤمنة.


ولهذا ارتبطت الأضحية بالحج ارتباط الروح بالجسد.

فالحاج يطوف حول البيت الذي رفع قواعده إبراهيم، والمسلم في بلده يذبح أضحيته مستعيدًا ذكرى الأب والابن والفداء، وكأن الأمة كلها تتحرك حول معنى واحد:


أن الدين بناءُ قلبٍ قبل أن يكون بناءَ حجر.


ومن هنا نفهم لماذا ارتبطت الأضحية بالتكبير.


فالمسلم لا يبدأ الذبح باسم القبيلة، ولا باسم العادة، ولا باسم الشهوة، بل يبدأه بقوله: “الله أكبر”.


والتكبير هنا ليس لفظًا يقال، بل إعلان تحرير.

الله أكبر من المال الذي نحب جمعه.


وأكبر من الشح الذي يقبض الأيدي.


وأكبر من الخوف الذي يجعل الإنسان أسير الدنيا.

وأكبر من كل ما يحاول أن يحتل مكانه في القلب.


ولهذا قال تعالى:


﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾.


أي اذكروه عليها وهي قائمة مصطفة في سكينة وهيبة.


إن القرآن يرسم مشهدًا مهيبًا لا مشهد فوضى.


فالأضحية في الإسلام ليست عبثًا دمويًا، وليست قسوة متوحشة، بل شعيرة يختلط فيها الذكر بالخشوع، والشكر بالتعظيم، والرحمة بالطاعة.


ثم يلفت القرآن النظر إلى أصل النعمة كلها:


﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾.


ما أعجب هذا التسخير!

ذلك الجمل الهائل الذي يحمل الأثقال ويشق الصحارى، يقوده طفل صغير بحبل رقيق.


وتلك الأنعام التي تملأ الأرض قوةً ومنفعةً، جعلها الله طوع يد الإنسان، يأكل من لحمها، ويشرب من لبنها، وينتفع بوبرها وجلودها.


إن الإنسان مهما بلغ من العلم والقوة لا يستطيع أن يخلق شعرةً واحدة في جسد شاة، ولا أن ينفخ الروح في دابة، لكن الله سخر له هذا الكون كله؛ ليعرف أن الحياة هبة، وأن الرزق فضل، وأن ما بين يديه ليس ثمرة قوته وحدها، بل ثمرة رحمة الله به.


ولهذا قال سبحانه:


﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.


والخير هنا أوسع من الطعام.

خيرٌ في الشكر.

وخيرٌ في الرحمة.

وخيرٌ في اجتماع العائلة.

وخيرٌ في إحياء معاني التكافل.


وخيرٌ في تذكير الإنسان بأنه ليس كائنًا منفصلًا عن الناس، بل عضو في أمة يجب أن يشعر فيها الفقير أن له نصيبًا من أفراح الأغنياء.


ثم يأتي النداء القرآني الرحيم:


﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.


والقانع هو الذي أقعده الحياء عن السؤال، أما المعتر فهو الذي حمله الفقر على أن يطرق الأبواب.


وكأن الإسلام لا يريد أن يضيع أحد بين الصنفين: لا المتعفف الذي يخفي حاجته، ولا المكسور الذي أظهرها.


ومن هنا كانت الأضحية شعيرة اجتماعية كبرى.

فهي لا تريد من الغني أن يستمتع وحده، بل تريد أن يتحول العيد إلى نهر رحمة يسري في المجتمع كله.


ولذلك استحب العلماء أن يأكل المضحي من أضحيته، وأن يُهدي منها، وأن يتصدق.


فالأكل منها إعلان شكرٍ لله وإباحةٍ لطيباته.


والإهداء توسيع لدائرة المحبة وصلة الأرحام والجيران.


والصدقة مواساة للمحتاجين وإشعار لهم أنهم جزء من جسد الأمة لا غرباء عنها.


ولهذا جرى كثير من أهل العلم على استحباب تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

ثلث للأهل، وثلث للإهداء، وثلث للصدقة، وإن كان الباب واسعًا بحسب الحاجة والمصلحة.


ومن تعظيم هذه الشعيرة ألا تُؤدى كيفما اتفق.

فالإسلام لا يحب الاستهانة بالقربات، ولهذا نهى عن التضحية بالمريضة والهزيلة والعوراء البين عورها، لأن القرب إلى الله لا يليق به الإهمال ولا بقايا الأشياء.


إن الإنسان إذا أحب أحدًا انتقى له أجمل الهدايا، فكيف إذا كان القربان لله؟

ولهذا أرادت الشريعة أن تكون الأضحية سليمة حسنة، حتى يتربى القلب على معنى الإحسان والإجلال.


ولم تُجز الشريعة الصغيرة التي لم تبلغ السن المعتبرة، لأن الشعيرة ليست ذبحًا عبثيًا، بل نسكٌ له وقاره وهيبته.


فالمعتبر في الضأن ما بلغ الجذع، وفي المعز ما أتم سنة، وفي البقر ما أتم سنتين، وفي الإبل ما أتم خمس سنين، حتى يكون ما يُقدَّم لله كامل النفع ظاهر القوة.


ومع ذلك، فإن الإسلام — وهو دين الرحمة — لم يجعل الشعيرة بابًا للمشقة والتفاخر، بل فتح أبواب التيسير، فأجاز الاشتراك في البقر والإبل، ليجتمع الناس على الخير كما يجتمعون على العيد، وحتى لا يُحرم متوسط الحال من المشاركة في النسك.


أما الشاة فتجزئ عن الرجل وأهل بيته، وكأن التشريع يقول للناس:

إن المقصود ليس إرهاقكم، بل إحياء المعنى في قلوبكم.


ومن هنا كان الفرق بين الهدي والأضحية.


فالهدي نسكٌ مرتبط بالحج والعمرة، وأكثر صوره واجب، كهدي التمتع والقران وجبر بعض المحظورات، ولذلك يكون في الحرم متعلقًا بشعائر الحج.


أما الأضحية فهي سنة مؤكدة على القادر عند جمهور العلماء، شُرعت للمسلمين في أمصارهم إحياءً لسنة إبراهيم، وإشاعةً لمعاني الشكر والرحمة والتوسعة.


ولهذا كان الهدي أقرب إلى أحكام النسك، بينما كانت الأضحية أقرب إلى بث الروح في الأمة كلها.


وفي عصرنا الذي اتسعت فيه المجاعات والكوارث، ظهرت صكوك الهدي والأضاحي التي تقوم بها المؤسسات الموثوقة، فتنقل اللحوم إلى ملايين الفقراء في الأماكن الأكثر احتياجا و للبلاد المنكوبة والمحرومة.

وهذا من محاسن العصر إذا صَحَّت النيات وضُبطت الأمانة؛ لأنه يحقق مقصدًا عظيمًا من مقاصد الشعيرة: توسيع الرحمة، وإغاثة المحتاج، وربط الأمة بعضها ببعض.


لكن الخطر أن تتحول الأضحية إلى عملية مصرفية باردة، يدفع فيها الإنسان المال ثم ينسى الشعيرة كلها.


إن المقصود ليس مجرد خروج اللحم، بل حضور القلب.


أن يبقى التكبير حيًا في البيوت.


وأن يسمع الأطفال قصة إبراهيم.


وأن تشعر الأسرة أن العيد عبادة وفرح وذكرى إيمانية، لا مجرد استهلاك موسمي.


ومن جمال هذا الدين أنه حتى في الذبح أمر بالإحسان.

فنهى عن تعذيب الحيوان، ونهى أن تُحد الشفرة أمامه، ونهى عن العبث والقسوة، ليظل الفرق واضحًا بين شعيرة الرحمة في الإسلام، وبين وحشية الإنسان حين يفقد نور الإيمان.


إن العالم الحديث — رغم حضارته المادية — صنع إنسانًا فرديًا مغلقًا على نفسه، يعيش للأكل والشراء واللذة، حتى ضعفت فيه معاني الجماعة والرحمة.

ثم يأتي العيد ليعيد الإنسان إلى فطرته الأولى:

إلى الأسرة،

وإلى الجيران،

وإلى الفقراء،

وإلى معنى المشاركة الإنسانية.


ولهذا فالأضحية ليست لحومًا تُوزع فقط، بل مشروع تربية حضارية كامل.

تربية على البذل بدل الشح.

وعلى الرحمة بدل القسوة.

وعلى الجماعة بدل الفردية.

وعلى الشكر بدل الغرور.

وعلى التعلق بالله بدل الاستغراق في الدنيا.


إنها إعلانٌ سنوي أن الأمة التي تعرف كيف تضحي، هي الأمة القادرة على أن تبني.

وأن الأمة التي يحيى فيها معنى الفداء، لا يمكن أن تسقط نهائيًا في عبودية المادة.


ولهذا أعاد القرآن الأمر كله إلى الحقيقة الجامعة:


﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾.


فإذا حضرت التقوى، صارت الذبيحة نورًا، وصار العيد رحمة، وصارت الشعيرة بناءً للإنسان والأمة.

أما إذا غابت التقوى، بقيت الدماء وحدها، وغاب السر الذي من أجله كان الفداء العظيم.


ذلك السر الذي أراد إبراهيم أن يورثه للأجيال:

أن الله لم يُرد الدم…

بل أراد القلوب.

تعليقات