بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الذهاب إلى أرض قاحلة، قد لا تكون صالحة ولا يستفاد منها، ويحتاج إلى كلفة ومشقة، والذهاب إلى بلد من البلدان لإحضار بعض السلع التجارية يحتاج إلى نفقة ومخاطرة، ومع هذا نجد ذلك سهلا، ومستهانا عند الكثير من الناس، ونجد لديه إستعدادا للمداعاة والمرافعات، وإنفاق النفقات، حتى ولو لم يستفيد إلا القليل من هذا الحطام الفاني، وإن هناك كثير من الآداب المفقودة بين المسلمين، وهذه الآداب المفقودة تسبب أنواعا من الوقوع في الإثم والعدوان، وإن كثير ممن الناس يستهينون بباب الأخلاق والآدب مع أن باب الأخلاق والآداب من الأمور العظيمة التي هي من مزايا هذه الشريعة العظيمة ومن محاسنها الحميدة، وإن بعض الناس يهتمون بأمور المعتقد والفقه والعلم، وينسون أن هذا الدين متكامل لا بد أن يكون المسلم فيه متخلقا بأخلاق الإسلام، متأدبا بآداب الشريعة، وما وُجد على الأرض أعظم خُلقا وأرحم بالناس، وأوفى بوعد وعهد من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولم تتخلف رحمته وينقض وفاؤه صلى الله عليه وسلم حتى مع أعدائه الذين آذوه وحاربوه، وبذلوا غاية جهدهم للقضاء على دينه ودعوته، وكادوا له ولصحابته، والسيرة النبوية المشرفة بما فيها من غزوات وأحداث مليئة بالمواقف المضيئة الدالة على ذلك، وقد أقر وشهد أعداؤه بوفائه وهم في شدة عداوتهم له، فقال مكرز لرسول الله صلى الله عليه وسلم "ما عُرفت بالغدر صغيرا ولا كبيرا، بل عُرفت بالبر والوفا" ولما سأل هرقل أبا سفيان بن حرب وهو يومئذ ما زال كافرا " أيغدر محمد؟ فقال لا، فقال هرقل وكذلك الرسل لا تغدر " ومن نعم الله علينا وعلى البشرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بُعث بالرحمة للناس جميعا، ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين المؤمنين به أمر معلوم، فهم أتباعه ومحبوه وهم الذين يعتقدون عقيدته ويدينون بدينه، لكن رحمته صلوات الله وسلامه عليه لم تقتصر على المؤمنين، بل شملت حتى الكافرين به، ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله.
" أنا نبي الرحمة " رواه مسلم، فإن من مآسينا في هذا الزمان، وفي ضمن دائرة الإبتعاد التي إبتعدنا فيها عن الإسلام حيث يوجد هناك كثير من النقص، وكثير من العيب، ومن ضمنه هذه الأمور هو الحقد، وهو مرض خطير، ومرض متفش في هذا الزمان، وكثير من الناس يحقدون على بعضهم البعض، وإن الحقد من معانيه الضغن والانطواء على البغضاء وإمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها، أو سوء الظن في القلب على الخلائق لأجل العداوة أو طلب الانتقام، والغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي فورا، رجع إلى الباطل واحتقن في النفس فصار حقدا، والحقد من مرادفاته الضغينة والغل والشحناء والبغضاء، وغيرها، والحقد خطير جدا، لأنه يؤدي إلى المهالك، والحقد قد يتداخل مع الحسد والغضب، ولكن هناك اختلاف، فالحقد رذيلة بين رذيلتين، لأن له ثمرة الغضب، والحقد يتولد من أي شيء؟ يتولد من الغضب، وهو يثمر الحسد ويؤدي إليه، فاجتمع في الحقد أطراف الشر.
والحقد حين تحليله يتبين أن من عناصره هى الكراهية الشديدة والبغض العنيف، والرغبة في الانتقام وإنزال السوء بمن يكرهه الحاقد، وتخزين العنصرين السابقين في قرارة النفس وتغذيتهما بالأوهام والتصورات والاسترجاعات المختلفة للمشاهد، مع مثيرات جديدة للكراهية والرغبة في الانتقام، فتتفاعل هذه كلها تفاعلا يأكل نفس الحاقد من الداخل، وتتغلغل هذه الدوافع في النفس تغلغلا يسبب فعلا التآكل الداخلي والانهيار في النهاية في نفس الحاقد، ولكي نبين كيف يتولد الحقد من الغضب، نقول إنك قد تغضب على إنسان أو أن الشخص قد يغضب على أخيه أو على إنسان فيريد منه الانتقام، فإذا لم يستطع أن ينتقم منه ليشفي غيظ قلبه ويثأر لنفسه، ولم يستطع أيضا أن يصفح عنه ويسامح، لأنه لا يقدر على ذلك، لا استطاع الانتقام ولا استطاع المسامحة ماذا يحدث؟ تتخزن هذه الطاقة الكريهة في النفس، ويحتقن هذا الحقد في النفس، ويظل دفينا يتحرك ويشتعل داخليا، كلما رأيت الإنسان الذي أنت تحقد عليه.
وكلما ذكر اسمه على مسمعك، أو تذكرت شيئا من أفعاله وأقواله، أو مشهدا من المشاهد التي حصلت فيها لهذا الشخص مواقف معك، فتتفاعل هذه الغريزة عندك أو هذا الخلق وهو الحقد وإن المسألة باختصار هو اختزان وإمساك العداوة والبغض في القلب واستمرار تفاعلها وهذا المرض له آثاره المدمرة على نفس الحاقد،لأنه يشغل القلب، ويتعب الأعصاب، ويقلق البال، ويقض المضجع.

تعليقات
إرسال تعليق