بقلم :أمل أبوزيدة.
في لحظة خلاف، قد يظن الأب أو الأم أن الانفصال هو النهاية الطبيعية لعلاقة استنزفت كل ما فيها، لكن ما لا يدركه كثيرون أن هذه النهاية قد تكون بداية جرحٍ عميق في قلب طفل لا حول له ولا قوة. طفل لم يختر أن يأتي إلى هذه الدنيا وسط صراعات، ولم يطلب أن يكون طرفًا في معركة لا يفهمها، لكنه يتحمل نتائجها كاملة… بصمت موجع.
الطفل لا يستوعب تفاصيل الخلافات، لكنه يشعر بها في نبرة الصوت، في نظرات الغضب، في الأبواب التي تُغلق بعنف، وفي الكلمات التي تخرج كالرصاص. كل موقف متوتر بين الأب والأم يترك أثرًا داخليًا قد لا يظهر فورًا، لكنه يتراكم، حتى يتحول إلى خوف دائم، قلق مستمر، وفقدان للإحساس بالأمان. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية… طفل يعيش بجسد صغير وقلب مثقل بما لا يحتمل.
بعد الانفصال، تتحول بعض العلاقات إلى ساحة صراع مفتوحة، ويصبح الطفل — دون وعي من الأبوين — وسيلة ضغط، أو أداة للانتقام، أو حتى رسالة غير مباشرة لإيذاء الطرف الآخر. يُطلب منه أن ينحاز، أن يختار، أن يرفض أحد والديه أو يبرر تصرفات الآخر. وهذه واحدة من أقسى التجارب النفسية التي يمكن أن يمر بها إنسان في عمر مبكر.
الطفل في هذه الحالة لا يخسر فقط استقرار أسرته، بل يخسر شعوره الطبيعي بالانتماء. يبدأ في التساؤل: هل أنا السبب؟ هل لو كنت أفضل لما حدث كل هذا؟ وهنا تتكون بداخله مشاعر الذنب، وتتسلل إليه أفكار سلبية قد تلازمه لسنوات، تؤثر على ثقته بنفسه، وعلى علاقاته المستقبلية، بل وعلى رؤيته للحب والأسرة.
الرحمة هنا ليست كلمة عابرة… بل مسؤولية حقيقية. الرحمة أن تضبط انفعالك أمام طفلك، أن تحترم الطرف الآخر في غيابه قبل حضوره، أن تفصل بين خلافك كزوج أو زوجة، ودورك كأب أو أم. لأن الطفل لا يحتاج أن يعرف من المخطئ، بل يحتاج أن يشعر أنه ما زال محبوبًا، آمنًا، غير مهدد بفقدان أحد أهم الأشخاص في حياته.
ليس مطلوبًا من الأبوين أن يعودا لبعضهما إذا استحال العيش، لكن المطلوب — وبشدة — أن يتعاملا بنضج ووعي بعد الانفصال. أن تكون هناك لغة هادئة، اتفاقات واضحة، واحترام متبادل، هدفه الأول والأخير هو مصلحة الطفل النفسية قبل أي اعتبار آخر. فالأبوة والأمومة لا تنتهي بورقة طلاق، بل تبدأ مرحلة أصعب تحتاج إلى حكمة وصبر.
الكلمة الجارحة التي تُقال أمام الطفل، النظرة الساخرة من أحد الوالدين، محاولة التشويه أو التقليل من قيمة الطرف الآخر… كلها أفعال قد تبدو بسيطة في لحظتها، لكنها تترك ندوبًا عميقة في نفس طفل لا يعرف كيف يدافع عن نفسه، ولا كيف يعبر عما يشعر به.
ارحموا الأطفال… لأن قلوبهم لا تتحمل كل هذا الصراع. ارحموهم من أن يكبروا وهم يحملون بداخلهم خوفًا من الحب، أو فقدان الثقة في أقرب الناس إليهم. ارحموهم من أن يتحولوا إلى نسخ مشوهة نفسيًا، فقط لأن الكبار لم يستطيعوا إدارة خلافاتهم بحكمة.
وفي النهاية، تذكروا جيدًا: أنتم قد تنفصلون كزوجين، لكنكم ستبقون للأبد أبًا وأمًا. والطفل لن ينسى كيف شعر في تلك اللحظات… فإما أن تتركوا في قلبه أمانًا يكبر به، أو جرحًا يعيش معه العمر كله

تعليقات
إرسال تعليق