القائمة الرئيسية

الصفحات

الأمومة والدارك ويب في قفص الاتهام


بقلم المحامية هاجر محمد حسني

في واحدة من أبشع القضايا التي هزت ضمير المجتمع المصري، كشفت التحقيقات في محافظة بورسعيد عن واقعة صادمة تُتهم فيها أم بمحاولة بيع أعضاء طفلها عبر مواقع وشبكات مشبوهة على الإنترنت، فيما عُرف إعلاميًا بقضية “بيع أعضاء طفل بورسعيد”.

القضية لم تكن مجرد خبر عابر أو واقعة جنائية تقليدية، بل شكلت صدمة إنسانية وأخلاقية عميقة، لأنها مست جوهر الفطرة الإنسانية وغريزة الأمومة التي خلقها الله لحماية الطفل لا للاتجار به أو تعريضه للموت.

ووفقًا لما أعلنته جهات التحقيق، فقد أصدرت محكمة جنايات بورسعيد حكمها بمعاقبة المتهمة بالسجن المؤبد، ومعاقبة المتهم الثاني بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا، بعد ثبوت تورطهما في الواقعة ومحاولة استغلال الطفل في جريمة تمس جسده وحياته وكرامته الإنسانية.

ومن الناحية القانونية، فإن هذه الجريمة لا يمكن اختزالها في وصف واحد، بل تندرج تحت عدة جرائم بالغة الخطورة، أبرزها:

الاتجار بالبشر.

الاتجار بالأعضاء البشرية.

تعريض حياة طفل للخطر عمدًا.

استغلال قاصر وعديم الأهلية.

الشروع في القتل حال ثبوت نية الإضرار بحياة الطفل.

استخدام وسائل إلكترونية وشبكات مشبوهة في نشاط إجرامي منظم.

ولذلك جاءت العقوبة قاسية، لأن القانون المصري يتعامل مع جرائم الأطفال والاتجار بالأعضاء باعتبارها من أخطر الجرائم التي تهدد الأمن المجتمعي والإنساني.

لكن بعيدًا عن النصوص القانونية، فإن الجانب الإنساني في هذه القضية هو الأكثر ألمًا وقسوة.

فالطفل بطبيعته يرى في أمه الملجأ الأول والأمان الأول، وعندما تتحول يد الحماية إلى مصدر خوف وتهديد، فإن الجريمة تصبح جرحًا نفسيًا واجتماعيًا يتجاوز حدود المحكمة والعقوبة.

إن المجتمع اليوم لا يواجه فقط جرائم تقليدية، بل يواجه انهيارًا أخلاقيًا خطيرًا تُغذيه الأزمات الاقتصادية أحيانًا، والانفلات الإلكتروني أحيانًا أخرى، وغياب الرقابة النفسية والاجتماعية في كثير من البيوت.

ومع ذلك، فإن الفقر أو الطلاق أو الضغوط المعيشية لا يمكن أن تكون مبررًا للاعتداء على جسد طفل أو المتاجرة بحياته، لأن الطفل ليس ملكية خاصة لأحد، بل إن القانون والدستور والشريعة جعلوا حمايته مسؤولية المجتمع بأكمله.

كما كشفت هذه القضية عن خطورة “الدارك ويب” والشبكات الإلكترونية غير المشروعة التي تُستخدم في جرائم الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، وهو ما يتطلب تشديد الرقابة الإلكترونية، وتطوير أدوات الملاحقة الرقمية، ورفع الوعي المجتمعي بخطورة تلك الجرائم العابرة للحدود.

إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط الواقعة نفسها، بل أن يتحول الإنسان مع الوقت إلى رقم أو سلعة أو وسيلة للربح، حتى لو كان هذا الإنسان طفلًا بريئًا لا يملك الدفاع عن نفسه.

فالطفولة ليست للبيع، والأمومة ليست مجرد صفة بيولوجية، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية وقانونية عظيمة.

تعليقات