بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم لمخالفيه من غير المسلمين بالهداية، فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا يا رسول الله إن دوسا قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقيل هلكت دوس فقال صلى الله عليه وسلم "اللهم اهد دوسا وأئتي بهم" ودعا صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة قبل إسلامها، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدي أم أبي هريرة " فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي، خشف قدمي، فقالت مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء.
قال فإغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح" وقيل أنه جاء الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اهد ثقيفا" قالوا يا رسول الله ادع عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم " اللهم اهد ثقيفا"، فعادوا فعاد، فأسلموا وكانوا ممن ثبت يوم الردة، ومن صور الدعاء ما كان من اليهود حيث كانوا يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله، فلم يحرمهم من الدعوة بالهداية والصلاح، فكان يقول "يهديكم الله ويصلح بالكم" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا مخالفيه من غير المسلمين، فقبل هدية زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن أبي مشكم في خيبر، حيث أهدت له شاة مشوية قد وضعت فيها السم.
وقد قرر الفقهاء قبول الهدايا من الكفار بجميع أصنافهم حتى أهل الحرب قال في المغني " ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس صاحب مصر" وكما تظهر رحمته النبي صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وألين عبارة، وكان صلى الله عليه وسلم يغشى مخالفيه في دورهم ويأتيهم في مجالسهم تواضعا منه ودعوة لهم إلى دين الإسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عه قال بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال "يا معشر يهود أسلموا تسلموا" فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، وعاد صلى الله عليه وسلم يهوديا كما في البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال "أسلم " فأسلم.
فإن الرحمة هي وصية القرآن الكريم ووصية النبي الأمين صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى " ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة" فعن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله " رواه الترمذي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول " لا تنزع الرحمة إلا من شقي" رواه الترمذي، فأين نحن من هذا الخلق العظيم الكريم وهو خلق الرحمه وما هو نصيبه من حياتنا ولنتسأل عنه في واقعنا ومعاشنا فهل نحن رحماء مع آبائنا وأمهاتنا والله عزوجل يقول " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " وأين نحن من رحمة أبنائنا وبناتنا وأزواجنا والنبي صلى الله عليه وسل يقول " من لا يرحم لا يرحم" وأين نحن من رحمة الضعفاء والمساكين.
من خدم وفقراء وغيرهم والله عزوجل يقول " فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر" وأين نحن من التراحم فيما بيننا والله عزوجل يقول " رحماء بينهم" فهي دعوة لأن نلين قلوبنا ولأن نكون محبوبين ولأن نكون حريصين على نفع الآخرين ولأجل أن يكون المجتمع متحابا مترابطا بعيدا عن كل شقاء وعناء.

تعليقات
إرسال تعليق