القائمة الرئيسية

الصفحات

مَلَامِحُ الاِنْتِظَار

فُؤَاد زَادِيكي

هَلْ لِلِانْتِظَارِ مَلَامِحُ؟
أَمْ أَنَّهُ شَيْءٌ يَمُرُّ فِينَا دُونَ أَنْ نَرَاهُ، كَالعُمْرِ وَالظِّلِّ وَالأَحْلَامِ المُؤَجَّلَةِ؟
لَعَلَّ الاِنْتِظَارَ لَيْسَ زَمَنًا فَقَطْ، بَلْ حَالَةٌ تُعِيدُ تَشْكِيلَ الرُّوحِ عَلَى مَهْلٍ، فَفِي كُلِّ لَحْظَةِ صَبْرٍ، يَنْقُصُ شَيْءٌ مِنَّا، وَيَنْضُجُ شَيْءٌ آخَرُ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْضِي العَاصِفَةُ. نَنْتَظِرُ كَثِيرًا فِي هٰذِهِ الحَيَاةِ، نَنْتَظِرُ فَرَحًا يَتَأَخَّرُ، وَقَلْبًا يَعُودُ، وَبَابًا يُفْتَحُ بَعْدَ طُولِ طَرْقٍ، وَرُبَّمَا نَنْتَظِرُ أَنْ نَعُودَ نَحْنُ كَمَا كُنَّا، قَبْلَ أَنْ تُثْقِلَنَا الأَيَّامُ بِمَا لَا يُقَالُ.
وَالعَجِيبُ أَنَّ الاِنْتِظَارَ، عَلَى قَسْوَتِهِ، يُعَلِّمُنَا الحَيَاةَ أَكْثَرَ مِمَّا تَفْعَلُ اللَّحَظَاتُ المُكْتَمِلَةُ، فَالأَشْيَاءُ، الَّتِي تَأْتِي سَرِيعًا، نَادِرًا مَا تَتْرُكُ فِي الرُّوحِ أَثَرًا عَمِيقًا، أَمَّا مَا نَنْتَظِرُهُ طَوِيلًا، فَإِنَّهُ يَسْكُنُنَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا.
لِذٰلِكَ، كَانَ لِلِانْتِظَارِ وَجْهٌ خَفِيٌّ، وَجْهٌ تُرْسَمُ عَلَيْهِ تَجَاعِيدُ الأَمَلِ وَالإِرْهَاقِ مَعًا، حَتَّى إِذَا ضَاقَتِ اللَّحْظَةُ بِثِقَلِهَا، اِنْفَرَجَتْ عَلَى مَهْلٍ، وَأَقْبَلَ الفَرَجُ كَمَنْ كَانَ يَعْتَذِرُ عَنْ غِيَابِهِ الطَّوِيلِ. فَمَا الحَيَاةُ، فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، إِلَّا سِلْسِلَةٌ مِنَ الاِنْتِظَارَاتِ، نَنْتَظِرُ البَدَايَاتِ وَالنِّهَايَاتِ، وَنَمْضِي بَيْنَهُمَا مُحَاوِلِينَ أَنْ نَفْهَمَ: هَلْ كُنَّا نَنْتَظِرُ الأَيَّامَ، أَمْ أَنَّ الأَيَّامَ هِيَ، الَّتِي كَانَتْ تَنْتَظِرُنَا؟

تعليقات