بقلم: فاطمة بن بلقاسم – تونس
لم تكن جائحة "كوفيد-19" مجرد أزمة صحية عابرة طوتها الأيام مع تراجع حدة الفيروس، بل كانت زلزالاً سلوكياً ونفسياً أعاد تشكيل الوعي البشري، وخلّف وراءه تصدعات عميقة في بنيان المجتمعات. لقد غيّرت الجائحة نمط الحياة اليومية بصورة جذريّة، وزرعت في النفوس شعوراً قابعاً بالقلق المستمر وعدم الأمان. فالأيام الطويلة للحجر الصحي والعزل الإجباري لم تحمِ الأجساد فقط، بل حبست الأرواح في زنزانة من التوتر، والخوف من مستغرق في الغموض، فضلاً عن نهش الوحدة والانقطاع المفاجئ عن شريان الحياة الاجتماعية الطبيعية.
الأرقام تتحدث: وباء نفسي يلتهم العالم
الأمر لم يعد مجرد انطباعات شخصية؛ فقد دقت منظمة الصحة العالمية (World Health Organization) ناقوس الخطر حين كشفت أن معدلات القلق والاكتئاب قفزت عالمياً بنسبة هائلة بلغت 25% خلال السنة الأولى فقط من الجائحة. هذا الرقم المرعب يترجم حجم الدمار الصامت الذي أصاب الصحة العقلية للبشر؛ حيث فقد الملايين القدرة على التكيف مع الضغوط اليومية، ووقعوا فريسة سهلة للعزلة، والأرق المزمن، والانفعال الحاد الذي بات يميّز العلاقات الإنسانية الراهنة.
مصيدة الشاشات: من طوق نجاة إلى إدمان رقمي
ولعل أحد أخطر المنعطفات السلوكية التي فرضتها الجائحة هو الارتماء الكامل في أحضان الفضاء الرقمي. فمع إغلاق الأبواب والاضطرار للبقاء داخل المنازل، تحولت الشاشات الزرقاء من مجرد أداة مساعدة إلى "الوسيط الحصري" للعمل، والتعليم، والترفيه، والتواصل البشري.
ومع تطاول أمد الأزمة، تحول هذا الاعتماد إلى إدمان رقمي مقنّع، وانفصال تدريجي عن الواقع المعاش. لقد بات الكثيرون يسكنون العالم الافتراضي أكثر مما يعيشون في عالمهم الحقيقي، مما تسبب في جفاء العلاقات الأسرية، وضمور مهارات التواصل المباشر، وذوبان الدفء الإنساني.
هذا التوغل المفرط في منصات التواصل الاجتماعي لم يكن بلا ثمن؛ إذ غذّى في النفوس متلازمة "المقارنة المستمرة" ب حيوات الآخرين المزيفة، مما ضاعف الضغط النفسي والإحباط. يضاف إلى ذلك تشتت التركيز، واضطرابات النوم الحادة، والتراجع الحاد في النشاط البدني، لا سيما بين فئتي الشباب والمراهقين الذين وجدوا في الفضاء الافتراضي ملاذاً سهلاً للهروب من واقع يملؤه الفراغ والوجل.
"إن الجائحة لم تترك وراءها ندوباً في الرئات فحسب، بل خلفت واقعاً اجتماعياً هشاً، تسيطر عليه الخوارزميات والشاشات أكثر مما تحكمه الروابط الإنسانية الحقيقية."
الرعب من الآتي: هل يكون "هانتا" هو البديل؟
في ظل هذا الهشاشة النفسية، يبرز السؤال المقلق الذي يشغل بال الرأي العام العالمي اليوم: هل سيكون فيروس هانتا (Hantavirus infection) هو الأزمة الصحية العالمية القادمة؟ وهل سيعيد إنتاج نفس المأساة النفسية والاجتماعية التي خلّفها كورونا؟
حتى اللحظة، تحاول منظمة الصحة العالمية تهدئة الروع مؤكدة أن الخطر العام للفيروس لا يزال منخفضاً، مبيّنة أن طبيعة "هانتا" تختلف جذرياً عن كورونا؛ إذ ينقل الفيروس أساساً عبر القوارض، وظل الانتقال بين البشر محدوداً للغاية ومحصوراً في سلالات معينة مثل فيروس أنديز (Andes virus)، دون أن يمتلك تلك القدرة الفائقة والسريعة على الانتشار النَفَسي كما كان الحال في "كوفيد-19".
ما بعد الصدمة: معركة الوعي ضد الوعيد
ولكن، ما القادم إذن؟ الإشكالية الحقيقية اليوم لا تكمن في بيولوجيا الفيروسات وحسب، بل في "النفسية الجريحة" للعالم. فبعد تجربة كورونا القاسية، بات الوعي الجمعي البشري يعاني مما يشبه اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). صار العالم أقل ثقة في الاستقرار وأكثر ذعراً؛ وأي ومضة خبر عن فيروس جديد – مهما كانت ضئيلة – كفيلة بإشعال فتيل الهلع عبر الفضاء الإلكتروني في ثوانٍ معدودة بفعل التضخيم الخوارزمي.
إن التحدي الحقيقي المفصلي في القادم من الأيام لن يكون الفيروس البيولوجي وحده، بل في طريقة إدارتنا للخوف:
فهل ستتحكم فينا الحساسية المفرطة، فنرتد سريعاً إلى مربعات الذعر، والعزلة، والتقوقع خلف الشاشات عند أول بادرة خطر؟
أم أن البشرية قد صُقلت من تجربتها السابقة، واكتسبت "مناعة نفسية" وإدراكاً واعياً بكيفية الموازنة بين الحذر الصحي وحماية السلامة العقلية والاجتماعية؟
تضعنا هذه التساؤلات أمام مرآة الحقيقة لنسأل أنفسنا بصدق: هل تعلمنا الدرس فعلاً وفهمنا خطورة الإدمان الرقمي وسيكولوجية الجماهير تحت الخوف، أم أننا ما زلنا مجرد مجتمعات هشة، قابلة للانكسار والتكرار أمام أول عاصفة صحية جديدة؟

تعليقات
إرسال تعليق