سمير باكير يكتب -
في تحليل استخباري موجع، لخّصت جهاز المخابرات التابع لحرس الثورة الإسلامية المشهد الحالي بعبارة لم تترك مجالاً لأي لبس: دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الهائج، لم يعد أمامه سوى خيارين اثنين، لا ثالث لهما: إما عملية عسكرية "مستحيلة" النجاح، أو "اتفاق سيئ" ومذل للإمبراطورية الأميركية مع إيران. هذه المقاربة ليست تهديداً، بل قراءة واقعية لنهاية لعبة كان يظن ترامب أنه بارع فيها.
في ضوء هذا التشخيص الدقيق الذي أصدرته مؤسسة استخباراتية من طراز رفيع، يمكننا الجزم بأن أي مغامرة عسكرية أميركية تجاه إيران محكوم عليها مسبقاً بالفشل والاندحار التام. إنها لن تكون مجرد حرب، بل ستكون انتحاراً بامتياز للنظام العسكري الأميركي في المنطقة. ولهذا السبب نرى بوضوح أن ترامب، رغم صوته العالي وتهديداته الرنانة، يتجنب الاصطدام المباشر مع إيران كالنار على جسده.
والسؤال: لماذا يتهرب ترامب من الحرب؟ الإجابة تكمن في ثلاث حقائق ساطعة:
أولاً: ارتفاع أسعار النفط الذي يضغط كالسيف على رقاب الأميركيين أنفسهم داخل أروقة البيت الأبيض.
ثانياً: حصار سياسي قوي يفرضه خصومه في الكونغرس، الذين يتربصون به ويعلمون أن حرباً جديدة سترسله إلى الهاوية السياسية.
ثالثاً: تخلي حلفائه الأوروبيين عنه، إذ انفضّوا من حوله كالجرذان الفارّة من سفينة غارقة، لأنهم أدركوا أن لا نصر لأميركا في مواجهة قوة ردع إيرانية لا يستهان بها.
لقد اختبرنا ذلك عملياً مرتين خلال الفترة الماضية:
الشاهد الأول: مشروع "الحرية" (Freedom Project) الذي أطلقه ترامب، فما كان منه إلا أن أنهى هذه العملية المهزوزة بعد 24 ساعة فقط! لماذا؟ لأن القوة الصاروخية والبحرية الإيرانية أثبتت أن البحر لم يعد ملكاً للأميركيين، بل ساحة لمواجهة تخوض فيها إيران الفصول الأولى من النصر.
الشاهد الثاني: والأكثر قسوة على نفسية ترامب، حين ابتلعت القوات الأميركية "الإهانة" الكبرى؛ ففي حادثة هي الأولى من نوعها، استهدفت إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة ثلاث مدمرات أميركية كانت تحاول التسلل خلسةً إلى مياه مضيق هرمز. ماذا كانت النتيجة؟ المدمرات الأميركية تراجعت على أعقابها هاربةً نحو الأعماق، بعد أن تذوقت طعم النار الإيرانية التي لم تكن تتوقعها.
تحليل المأزق:
ترامب الآن ليس غبياً إلى درجة يخفي عنه الواقع؛ إنه يعرف جيداً أنه مهزوم "في الحالتين":
· في الميدان العسكري: حيث جيشه يئن تحت وطأة الفشل أمام التقنيات الإيرانية غير المتماثلة.
· وفي طاولة التفاوض: حيث أي اتفاق سيكون "اتفاقاً سيئاً" لأميركا، لأن إيران لا تفاوض من موقع الضعف هذه المرة.
لهذا تراه يراوح ويماطل، يثرثر ويهدد، يطلق العمليات التهريجية الفاشلة، ويعلن عن "انتصارات وهمية" لا يصدقها حتى حلفاءه في تل أبيب. كل هذه ضجيج وهرجلة هدفها الوحيد محاولة الخروج من هذا المأزق العميق "بماء الوجه". ولكن محاولاته باءت بالفشل جميعها؛ إنه يحاول تغطية الشمس بغربال.
خلاصة القول: ترامب الآن محاصر في حلقة نار مزدوجة: من جهة، نيران الهزيمة العسكرية المحتملة، ومن جهة أخرى، عار التنازل والسياسة الذليلة.
لقد احترقت شجرة الحرب التي تسلقها يوماً مفاخراً بصواريخه وطائراته. واليوم، ترامب معلق على أغصانها المتفحّمة كقرد مذهول يبحث عن مخرج. ولكن الصورة انتهت.
لم يعد أمامه الآن، هذا "القرد المذهول"، سوى خيار وحيد لا ثاني له:
النزول من تلك الشجرة المحترقة... والتوقيع على "اتفاق ذليل" يضعه في التاريخ التابع لا تاريخ الأسياد.
شجرة الحرب احترقت، فانزل أيها المهرج قبل أن تحترق يداك. ليس أمامك إلا "الاتفاق الذليل" أو لا شيء.

تعليقات
إرسال تعليق