بقلم/ محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي ومحلل سياسي وعسكري
تشهد أروقة النادي الأهلي حالة من الاستنفار الفني والترقب الجماهيري، بالتزامن مع عودة المدير الفني السويسري مارسيل كولر من سويسرا، محاطاً برغبة عارمة في إعادة ترتيب الأوراق وتجديد الدماء داخل جهازه المعاون. الاستقرار على استعادة رجاله المخلصين – هارالد جامبرلي مساعداً، وياسين الميكاري محللاً للأداء، وتيزيان ندوي – ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو إعلان رسمي عن انطلاق مرحلة جديدة من فرض الانضباط والبحث عن الكمال الكروي في قلعة الجزيرة.
هذه الخطوة التصحيحية أعادت إلى الأذهان التساؤل الأزلي الذي يداعب مخيلة وعشاق المارد الأحمر: هل ينجح مارسيل كولر في تكرار الحقبة الأسطورية للبرتغالي مانويل جوزيه، المدرب الأعظم في تاريخ النادي الأهلي؟
جينات متشابهة: واقعية الساحر وصرامة السويسري
ثمة قواسم مشتركة واضحة يلحظها المتابع الدقيق لشخصية كلا المدربين؛ فمانويل جوزيه لم يكن يوماً مدرباً يبحث عن الكرة الاستعراضية لمجرد المتعة، بل كان واقعياً براجماتياً، يدرك أن هوية الأهلي تتلخص في كلمة واحدة: الفوز.
وهذا تماماً ما يطبقه كولر منذ وطأت قدماه ملعب التتش. السويسري يمتلك "جينات الأهلي" الصرفة، حيث لا مجال للشبع من البطولات، وحيث تنتهي فرحة اللقب بمجرد إطلاق صافرة نهاية المباراة للتفكير في البطولة التالية. كلاهما امتلك تلك الكاريزما الطاغية والقدرة الفائقة على السيطرة على غرف ملابس المدججة بالنجوم، وتحويل الطموحات الفردية إلى صرح لخدمة المجموعة.
التحديات المعاصرة: لماذا تبدو مهمة كولر أكثر تعقيداً؟
رغم المعدل الإعجازي الذي يسير به كولر في حصد الألقاب المحلية والقارية وبرونزية المونديال، إلا أن وضعه في كفة ميزان واحدة مع "الساحر البرتغالي" يتطلب قراءة الفوارق الزمنية والفنية بين الحقبتين:
- جيل العمالقة الزمني: قاد جوزيه جيلاً ذهبياً استثنائياً قد لا يتكرر في تاريخ الكرة المصرية (أبو تريكة، بركات، وائل جمعة، متعب، الحضري، وفلافيو). ورغم القيمة الفنية العالية لجيل الأهلي الحالي، إلا أن المقارنات الفردية والخبرات الدولية المتراكمة تميل تاريخياً لصالح جيل العمالقة.
- شراسة وتغير خارطة المنافسة: يواجه كولر منافسة أفريقية ومحلية أكثر تعقيداً وشراسة، مع صعود قوى مالية وفنية كبرى في القارة السمراء، فضلاً عن أزمة تلاحم المواسم الخانقة والضغوط البدنية والإعلامية غير المسبوقة التي لم تكن بنفس هذا العنفوان في العقد الأول من الألفية.
- اختبار الاستمرارية: سر أسطورية مانويل جوزيه لا يكمن فقط في كم البطولات (التي تجاوزت العشرين لقباً)، بل في قدرته على الهيمنة لسنوات طويلة وعبر ولايات ثلاث مختلفة. كولر لا يزال في مرحلة بناء هذا الإرث الممتد.
تجديد الدماء.. خطوة على طريق "جوزيه العصر الحديث"
إن قرار كولر بالاستعانة بطاقمه السويسري القديم/الجديد يعكس ذكاءً كبيراً في إدارة الأزمات الفنية؛ فهو يعلم أن الحفاظ على القمة أصعب من الوصول إليها، وأن تفادي "التشبع الكروي" لدى اللاعبين يتطلب أدوات جديدة وعيوناً فنية تثق بها تمام الثقة – وهو ذات النهج الانضباطي الذي كان يفرضه جوزيه مع كل اهتزاز عابر في الأداء.
رؤية تحليلية:
مارسيل كولر لا يحتاج أن يكون نسخة كربونية من مانويل جوزيه ليثبت نجاحه، فهو يكتب بالفعل تاريخاً خاصاً به بمداد من ذهب في الجزيرة. لكن بالدعم الإداري اللامحدود، والظهير الجماهيري المرعب، واكتمال جهازه المعاون المفضّل، يمتلك السويسري كل المقومات الفنية والشخصية ليكون "جوزيه العصر الحديث" للأهلي، وليثبت أن قطار البطولات الأحمر لا يعرف التوقف مهما تغيرت الأزمان.
تحريراً في: مايو 2026

تعليقات
إرسال تعليق