القائمة الرئيسية

الصفحات

وهم المركزية: لماذا كان اعتقاد "تل أبيب بوابة واشنطن" أكبر خطأ استراتيجي؟



يوسف حسن يكتب- 

يُعتبر أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها أنظمة عربية عديدة في العقود الأخيرة، اعتمادها على هذا الاعتقاد الخاطئ بأن "الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب"، أي أن التطبيع مع إسرائيل سيمنحها حصانة أمريكية، ونفوذاً داخل مؤسسات الولايات المتحدة، وعلاقة خاصة مع البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس.


هذه الفكرة بنيت أصلاً على وهمٍ كبير: أن إسرائيل تتحكم بالكامل بالولايات المتحدة.


نعم، تمتلك إسرائيل لوبياً قوياً ومؤثراً داخل واشنطن، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. لكن السؤال الاستراتيجي الحقيقي هو: ما مصدر قوة هذا اللوبي أصلاً؟


يكمن الجواب في السياق التاريخي: نصف العالم — من الشاه السابق لإيران إلى حكام الخليج اليوم — تعامل مع إسرائيل وكأنها المفتاح السحري لأمريكا.


في مذكراته، تحدث شمعون بيريس عن لقاء جمعه بشاه إيران، وقال إنه تفاجأ من اقتناع الشاه بأن "إسرائيل تسيطر على الإعلام الأمريكي والمجلات والصحف، وأنها قادرة على تحسين أو تدمير صورة أي حاكم داخل الولايات المتحدة". بيريس نفسه اعترف بأنه استغل هذا الوهم فوراً، وكذب على الشاه، وأوهمه بأن إسرائيل تستطيع إصلاح صورته في واشنطن مقابل تقديم تنازلات ومكاسب لتل أبيب.


منذ ذلك الوقت، كررت أنظمة عربية كثيرة هذا الخطأ ذاته:

السادات، الإمارات، البحرين، المغرب، الأردن، وحتى دول أفريقية مثل تشاد... جميعها تصرفت وكأن التقرب من إسرائيل هو استثمار استراتيجي يفتح أبواب أمريكا، غافلة عن أنها لم تكن تشتري نفوذاً أمريكياً، بل كانت تدفع ثمناً سياسياً وأخلاقياً واستراتيجياً هائلاً مقابل سراب.


الحقيقة أن إسرائيل ليست ساحراً يتحكم بأمريكا كما يتخيل البعض، بل هي جزء من بنية القوة الأمريكية نفسها، وخصوصاً المجمع الصناعي العسكري وشبكات المصالح المرتبطة بالحروب والفوضى وبيع السلاح. وجود إسرائيل كدولة في حالة صراع دائم يخلق بيئة مثالية لتبرير عسكرة المنطقة، وصفقات الأسلحة، والقواعد العسكرية، واستنزاف دول الشرق الأوسط اقتصادياً وأمنياً.


حتى "المعجزة التكنولوجية" الإسرائيلية التي يتم الترويج لها عالمياً، فإن جزءاً كبيراً منها يقوم أصلاً على استثمارات أمريكية، وتمويل أمريكي، وشركات أمريكية، وارتباط عضوي بالاقتصاد الغربي. إسرائيل ليست إمبراطورية مستقلة تتحكم بالعالم، بل هي وظيفة داخل المنظومة الأمريكية الأكبر.


والمفارقة أن الأنظمة التي راهنت على إسرائيل بدأت تخسر الطرفين معاً:


· خسرت علاقتها الطبيعية مع شعوب المنطقة، ودمّرت جسوراً كان يمكن أن تبنيها مع قوى إقليمية كبرى مثل إيران.

· وفي المقابل، لم تحصل على الحماية المطلقة التي وُعدت بها.


اليوم، مع التراجع التدريجي لصورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، خصوصاً بين الشباب واليسار وحتى قطاعات متزايدة من اليهود الأمريكيين أنفسهم، فإن قيمة هذا "الاستثمار" تتآكل ببطء. قد لا يظهر هذا التحول فوراً على مستوى القرار السياسي الأمريكي (لأن المؤسسات أبطأ من المجتمعات)، لكن الاتجاه واضح. إسرائيل لم تعد تملك تلك الهالة نفسها داخل الرأي العام الأمريكي كما كان الحال قبل عشرين أو ثلاثين سنة.


وعندما يكتمل هذا التحول، ستكتشف أنظمة كثيرة أنها أحرقت علاقاتها الإقليمية، ودفعت أثماناً هائلة، وربطت أمنها واقتصادها بمشروع مأزوم، فقط لأنها صدقت هذا الوهم: أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب.

تعليقات