القائمة الرئيسية

الصفحات

✍️​حروب العقول والخوارزميات.. قراءة في فكر اللواء سمير فرج الاستراتيجي

 

✍️​حروب العقول والخوارزميات.. قراءة في فكر اللواء سمير فرج الاستراتيجي


​بقلم/ محمد الشحات سلامة

​محرر إعلامي وصحفي

​في مقال استثنائي يحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، أطل علينا المفكر العسكري والاستراتيجي المرموق، اللواء دكتور سمير فرج، عبر جريدة "المصري اليوم" (السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦)، بمقال تحت عنوان "الإعلام والسوشيال ميديا والحروب الحديثة". المقال لا يمثل مجرد رصد عابر لتطور وسائل التواصل، بل يضعنا أمام وثيقة حية تفكك العقيدة العسكرية الحديثة في عصر "حروب الجيل الخامس" وما بعدها، حيث تحولت الشاشات والخوارزميات إلى أسلحة فتاكة لا تقل خطورة عن المدافع والصواريخ.

​من الورق إلى "كارثة العصر": تحول مفهوم القوة

​يستهل اللواء سمير فرج مقاله بتأصيل تاريخي ذكي لتطور المنظومة الإعلامية، مقسماً إياها إلى عناصرها الأربعة: المكتوب والمسموع والمرئي، وصولاً إلى الإعلام الإلكتروني الرقمي الذي وصفه بـ "كارثة العصر".

​ولم يكن هذا الوصف من سيادته معاداة للتطور التكنولوجي، بل هو تحذير عسكري محترف من "سيولة المعلومات" وغياب الضوابط المعاييرية. فالخطورة الكامنة في الإعلام الرقمي تكمن في قدرته الفائقة على اختراق الوعي الفردي والجمعي، وتوجيه الرأي العام وتشكيل الاتجاهات الفكرية والسياسية دون رقابة مؤسسية.

​والملمح الأكثر حداثة في طرح اللواء فرج هو إشارته الواعية لدور الذكاء الاصطناعي التوليدي ومحركات مثل ChatGPT كأدوات فورية لاستقاء المعلومات، واضعاً يدنا على المعضلة الأبرز في عام 2026: "السرعة الفائقة في الانتشار مقابل غياب الدقة والتحقق"، وهو ما يمثل ثغرة أمنية معرفية تتطلب وعياً قومياً استثنائياً.

​المعركة في عقول الناس.. دبابات على الأرض وشاشات في الوعي

​ينتقل بنا الخبير الاستراتيجي إلى جوهر العقيدة العسكرية المعاصرة، مؤكداً أن أي صراع أو نزاع عسكري مسلح بات يسير اليوم في اتجاهين متوازيين لا ينفصمان:

​القتال بالوسائل التقليدية: (دبابات، طائرات، صواريخ) لحسم الميدان العسكري.

​الحرب النفسية الرقمية: عبر منصات السوشيال ميديا للتلاعب بالروح المعنوية، إما رفعاً لصالح الحلفاء أو خفضاً وتدميراً لروح الخصم.

​ويفكك اللواء فرج ببراعة آليات هذه الحرب النفسية المنظمة، كاشفاً عن أدواتها الاستراتيجية:

​إدارة الصورة الذهنية الكاملة للدولة: عبر تصدير محتوى إنساني (كعمليات الإنقاذ والمساعدات) لكسب التعاطف الدولي والمحلي.

​رسائل الردع غير المباشرة: من خلال تسريب مقاطع التدريبات العسكرية وتحركات القوات لتهيئة العدو نفسياً للهزيمة قبل تبادل إطلاق النار.

​صناعة "الترند" وهندسة الهاشتاجات (Hashtags): باستخدام تقنيات متطورة مثل الحسابات الوهمية والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، وتوجيه النقاش العالمي لخدمة قرارات سياسية وعسكرية محددة.

​السلاح ذو الحدين.. والوعي كخط دفاع أول

​لم يغفل اللواء سمير فرج الجانب الإيجابي لهذه الأدوات، مشيراً إلى دورها المحوري في التوعية، وإدارة الأزمات، ونشر التعليمات الأمنية، وتصحيح الشائعات أثناء الكوارث والنزاعات.

​لكنه يختتم بمعادلة استراتيجية صريحة: الإعلام الرقمي أصبح سلاحاً يحقق مستهدفات عسكرية وسياسية بامتياز "دون إطلاق رصاصة واحدة".

​رؤية تحليلية ختامية

​يبرهن هذا المقال على أن العقل الاستراتيجي العسكري المصري في أعلى مستوياته يتابع بدقة بالغة ديناميكيات الحروب السيبرانية. الرسالة المركزية التي يضعها اللواء سمير فرج بين أيدينا هي أن "الوعي" هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي؛ فلم يعد المواطن مجرد متلقٍّ عادي للخبر، بل أصبح مستهدفاً مباشراً في عقيدته ومعنوياته. إنها معركة لم تعد تُخاض في الميدان وحده، بل في العقول والقلوب أولاً.

​توقيع النشر:

بقلم/ محمد الشحات سلامة

محرر إعلامي وصحفي

تعليقات