القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: جنوب لبنان تحت النار.. هل تعيد إسرائيل إنتاج سياسة الاحتلال تحت غطاء الأمن

 

جنوب لبنان تحت النار.. هل تعيد إسرائيل إنتاج سياسة الاحتلال تحت غطاء الأمن

في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الدولية لخفض التصعيد واحترام سيادة الدول، تواصل إسرائيل انتهاكاتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية بصورة تثير قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل الاستقرار في المنطقة. فالمشهد الحالي لم يعد مجرد اشتباكات حدودية أو عمليات عسكرية محدودة، بل بات يعكس محاولة واضحة لفرض واقع ميداني جديد على الأرض اللبنانية تحت ذرائع أمنية متكررة.

لقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا لافتًا في حجم العمليات العسكرية الإسرائيلية، شمل غارات جوية مكثفة وتوغلات برية امتدت إلى مناطق تقع في محيط نهر الليطاني، بل وتجاوزته في بعض المحاور. كما رافق ذلك فرض أوامر إخلاء على عدد من القرى والبلدات اللبنانية، الأمر الذي تسبب في موجات نزوح واسعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

وتحاول إسرائيل تسويق هذه العمليات باعتبارها ضرورة لحماية أمنها القومي ومنع أي تهديدات محتملة من الجانب اللبناني، إلا أن حجم التدمير الذي طال البنية التحتية والمنازل والمنشآت المدنية يثير تساؤلات مشروعة حول مدى التناسب بين الأهداف المعلنة والوسائل المستخدمة على الأرض. فحين تتحول قرى بأكملها إلى مناطق منكوبة، وتُجبر آلاف الأسر على ترك منازلها، يصبح الحديث عن الأمن وحده غير كافٍ لتبرير ما يجري.

الأخطر من ذلك هو الحديث المتكرر داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية عن إنشاء مناطق عازلة أو أحزمة أمنية داخل الأراضي اللبنانية. فمثل هذه الطروحات تعيد إلى الأذهان حقبة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وتثير مخاوف من أن تكون العمليات الحالية جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى فرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

كما أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى التزامه بمبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول. فالمعايير التي يتم التمسك بها في أزمات دولية أخرى يجب أن تطبق بالقدر ذاته على الحالة اللبنانية، بعيدًا عن الازدواجية أو الحسابات السياسية الضيقة.

إن ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لا يهدد لبنان وحده، بل يحمل في طياته مخاطر توسع دائرة الصراع الإقليمي بأكمله. فكل خطوة عسكرية جديدة، وكل قرية تُستهدف، وكل انتهاك للسيادة اللبنانية، يدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل تسعى إسرائيل بالفعل إلى تحقيق أهداف أمنية مؤقتة، أم أنها تعمل على إعادة إنتاج نموذج الاحتلال بأدوات جديدة ومسميات مختلفة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا وتعقيدًا.

تعليقات