الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في لحظةٍ تبدو فيها الشاشة العربية وكأنها فقدت بوصلتها بالكامل، حيث اختلطت الشهرة بالضجيج، وتحولت بعض الأعمال إلى مجرد “محتوى سريع” يُستهلك بلا أثر، تظهر الفنانة مي كساب داخل مسلسل “اللعبة” ليس فقط كممثلة تحقق نجاحًا جماهيريًا، بل كظاهرة تستحق التوقف أمامها نقديًا وفلسفيًا، لأنها أعادت طرح سؤال بالغ الخطورة داخل المشهد الفني العربي: ماذا لو كان الجمهور لم يفسد ذوقه أصلًا؟ ماذا لو أن المشكلة الحقيقية لم تكن في الناس، بل في الفن الذي توقف عن احترامهم؟
هذا السؤال تحديدًا هو مفتاح فهم حالة مي كساب في “اللعبة”، لأن نجاحها لم يكن مجرد نجاح أداء كوميدي داخل مسلسل جماهيري، بل بدا كأنه صفعة هادئة لموجة كاملة من الأعمال التي اعتقدت أن الوصول إلى الناس يمر عبر الصراخ، أو الابتذال، أو الإيحاء الرخيص، أو تحويل الإنسان إلى مستهلك سريع للضحك المؤقت.
ما فعلته مي كساب أخطر بكثير من مجرد تقديم دور ناجح، لأنها أعادت الاعتبار لفكرة أصبحت شبه منسية: “أن البساطة ليست ضعفًا، وأن الفن النظيف ليس ساذجًا، وأن الكوميديا يمكن أن تكون ذكية دون أن تتعالى على الجمهور، وقريبة دون أن تنحدر إليه”.
في السنوات الأخيرة، عاش الفن العربي أزمة هوية حقيقية، لا أزمة إنتاج، فالمشكلة لم تكن يومًا في قلة الأعمال، بل في فقدان المعنى، حيث تحولت بعض الدراما إلى مصانع لإنتاج الانفعال السريع، وأصبحت شخصيات كثيرة تُكتب وكأنها خوارزميات مصممة فقط لإثارة الجدل أو خلق “ميمز” على مواقع التواصل، لا لتعيش داخل وعي الإنسان أو وجدانه.
وسط هذه الفوضى، جاءت مي كساب لتفعل شيئًا نادرًا للغاية: أن تكون “إنسانًا” على الشاشة، لا مشروع استعراض دائم، ولا ماكينة أداء مصطنع، وهذا تحديدًا ما جعل الجمهور يشعر تجاهها بالراحة والصدق، لأن الإنسان بطبيعته ينجذب إلى ما يشبهه، لا إلى ما يُفرض عليه بالقوة.
اللافت أن مي كساب لم تدخل معركة الفن الحديث بأسلحة السوق نفسها، لم تعتمد على الإثارة، ولا على تصدير صورة زائفة عن النجومية، بل تحركت بعكس التيار تقريبًا، وكأنها تراهن على شيء قديم جدًا في هذا الزمن: الموهبة وحدها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ ففي عصر أصبحت فيه بعض النجومية تُصنع بالضجيج الإلكتروني أكثر من القيمة الحقيقية، استطاعت مي كساب أن تخلق حضورًا طاغيًا عبر التلقائية فقط، وهو أمر يبدو بسيطًا ظاهريًا لكنه في الحقيقة من أصعب ما يمكن أن يحققه أي فنان، لأن التلقائية الحقيقية لا يمكن اصطناعها.
حتى على مستوى الأداء، فإن ما قدمته داخل “اللعبة” يستحق قراءة أعمق من مجرد الإشادة الجماهيرية المعتادة، لأنها فهمت طبيعة الكوميديا بوصفها “علم إيقاع” لا “مبالغة”، فالكوميديا العظيمة ليست في افتعال الضحك، بل في القدرة على استخراج المفارقة الإنسانية من داخل اللحظة اليومية العادية، وهو ما فعلته بذكاء شديد، حيث بدا أداؤها خفيفًا على السطح لكنه قائم على وعي عميق بإيقاع الشخصية وطبيعة المشهد.
وهنا تظهر أزمة كثير من الأعمال الحديثة؛ إذ اعتقدت أن الكوميديا تعني الصوت العالي والانفعال الزائد، بينما الحقيقة أن أكثر الكوميديا خلودًا في التاريخ كانت قائمة على الإنسان، على ضعفه، وتناقضاته، وبساطته، لا على محاولات إبهاره بشكل مصطنع.
لكن ربما الجانب الأكثر أهمية في تجربة مي كساب هو أنها أعادت الاعتبار لفكرة “الفنان الآمن”، وهي فكرة قد تبدو غريبة في عصرنا الحالي، لكنها شديدة العمق، فهناك فنانون حين يظهرون على الشاشة يشعر المشاهد بالاطمئنان، لأنهم لا يبيعون له الوهم، ولا يبتزون غرائزه، ولا يحاولون استفزازه كي يحققوا انتشارًا، بل يمنحونه مساحة إنسانية صادقة، وهذا بالضبط ما فعلته مي كساب.
في المقابل، كشفت حالة النجاح الكبيرة التي حققتها داخل “اللعبة” عن وهم آخر ظل يتكرر لسنوات: أن الجمهور لم يعد يريد الفن الراقي، والحقيقة أن الجمهور لم يرفض الفن الراقي يومًا، بل كان يرفض “التصنع”، وعندما وجد عملًا يحمل روحًا حقيقية تفاعل معه فورًا، لأن الذوق العام لا يموت، بل يُرهق فقط من الرداءة المتكررة.
وهنا يمكن النظر إلى مي كساب باعتبارها جزءًا من مقاومة فنية هادئة ضد عصر “التلوث البصري والدرامي”، مقاومة لا تعتمد على الشعارات، بل على تقديم نموذج مختلف، يثبت أن النجاح لا يحتاج دائمًا إلى صدمة أو إسفاف أو ضوضاء.
بل إن أخطر ما فعلته ربما أنها أعادت تعريف معنى “القوة النسائية” داخل الفن بعيدًا عن القوالب المستهلكة، فلم تعتمد على الاستعراض أو الادعاء، بل على الحضور الإنساني الحقيقي، وهو ما جعل تأثيرها أعمق وأكثر بقاءً من كثير من الشخصيات الصاخبة التي تملأ الشاشة ثم تختفي بلا أثر.
مي كساب نجحت لأنها تمثل شيئًا افتقده الجمهور طويلًا: “الصدق غير المعلن”، فهي لا تحاول إقناع المشاهد بأنها عظيمة، ولا تصرخ كي تلفت الانتباه، لكنها تترك أثرًا يشبه أثر الأشخاص الحقيقيين في حياتنا، أولئك الذين لا يصنعون ضجيجًا كبيرًا، لكن وجودهم يترك راحة يصعب تفسيرها.
ولذلك، فإن نجاحها في “اللعبة” لا يجب اختزاله في نسب مشاهدة أو تفاعل جماهيري، بل ينبغي قراءته كإشارة مهمة جدًا إلى أن الفن العربي ما زال قادرًا على استعادة روحه، بشرط أن يعود لاحترام الإنسان قبل أي شيء.
وفي النهاية، ربما لا تكون مي كساب قد أنقذت الفن العربي وحدها كما يقول البعض، لكن المؤكد أنها أعادت تذكير الجميع بأن الفن الحقيقي لم يمت، بل كان فقط ينتظر شخصًا يوقظه بعيدًا عن الضوضاء.

تعليقات
إرسال تعليق