بقلم:
د كامل عبد القوي النحاس
ليست كل القصص التي يرويها القرآن للتاريخ وحده، بل منها ما كُتب ليكشف للإنسان نفسه. وبعض المشاهد لا تمر على القلب مرورًا عابرًا، لأنها تتحدث عن أعمق ما في الإنسان: الحب، والخوف، والتعلق، والطاعة حين تصبح مكلفة.
ومن أعظم تلك المشاهد مشهد الذبح العظيم.
هنا لا يقف الإنسان أمام قصة أب وابن فقط، بل أمام سؤال كبير يتكرر في حياة البشر جميعًا: ماذا يفعل الإنسان إذا تعارض ما يحب مع ما يريده الله؟
لقد كان الناس دائمًا يتعلقون بالأبناء الذكور، يرون فيهم الامتداد والقوة وبقاء الاسم بعد الموت. وكانت العرب تعتبر من لا ولد له أبتر، كأن الحياة تنقطع من بعده.
ومن هنا نفهم لماذا كان ابتلاء إبراهيم عليه السلام عظيمًا إلى هذا الحد؛ فلم يؤمر بالتخلي عن مال أو جاه، بل عن ابنه الذي جاء بعد طول انتظار، والذي صار جزءًا من روحه وقلبه.
لقد ذاق إبراهيم مرارة الحرمان سنين طويلة، ثم رزقه الله إسماعيل، ثم اكتشف أن العطاء نفسه قد يكون باب الامتحان.
وهكذا هي سنن الله في القلوب؛ ليس المنع وحده اختبارًا، بل العطاء أيضًا.
ولذلك قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
فالإنسان قد ينجح في الصبر على الفقد، لكنه يعجز عن النجاح في اختبار النعمة إذا تعلّق قلبه بها أكثر مما ينبغي.
وكل إنسان له إسماعيل في قلبه؛ شيء يخاف فقده، ويتمسك به، ويشعر أن حياته لا تستقيم بدونه؛ شخص، أو حلم، أو مكانة، أو أمان.
وحين يحب الله عبدًا، لا يترك قلبه أسيرًا لشيء سواه.
ثم جاءت الرؤيا.
رؤيا ليست كأحلام البشر، بل وحي ثقيل نزل على قلب نبي:
أن يذبح ابنه.
أي قلب يحتمل هذا؟
أي أب يستطيع أن يحمل السكين إلى ابنه الذي انتظره العمر كله؟
لكن إبراهيم عليه السلام كان يعرف ربه، وكان يعلم أن أوامر الله لا تأتي عبثًا، حتى وإن عجز العقل عن فهم حكمتها في اللحظة الأولى.
ومع ذلك، فإن القرآن يكشف رقة هذا الأب ورحمة هذا النبي.
لم يقل لابنه سأذبحك، ولم يتكلم بلسان المتسلط الذي يفرض أمره، بل قال برفق يكاد يقطر ألمًا:
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾
وكأن إبراهيم يعتذر لابنه، ويخبره أن الأمر أكبر من رغبة الأب واختياره، وأنه لا يملك أمام أمر الله إلا الطاعة.
فالشرع لا يعطي للأب حق ذبح ابنه، ولذلك لم يتحدث إبراهيم بلهجة القسوة، بل بلهجة الأب الذي يذبح قلبه قبل أن يذبح ابنه.
لكن جواب إسماعيل عليه السلام جاء مدهشًا في يقينه:
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾
ولم يقل افعل ما ترى، لأن القضية ليست رأيًا بشريًا، بل أمرًا إلهيًا إذا ثبت انتهى معه التردد كله.
وهكذا تصنع التربية الإيمانية العظيمة؛ طاعة لا تناقش أمر الله، ويقين لا ينهار أمام الألم.
ومع ذلك، لم يدّع إسماعيل بطولة فوق البشر، ولم يقل إن الأمر سهل عليه، لأنه بشر يشعر بالخوف والألم كما يشعر الناس.
ولهذا قال:
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾
لم يقل أنا صابر، بل علّق الصبر بمشيئة الله، لأنه يعلم أن الثبات في البلاء ليس قوة يملكها الإنسان متى شاء، بل رحمة يهبها الله لعباده عند الشدة.
وهنا تظهر دقة التعبير القرآني.
فلم يقل من الصالحين، لأن المقام ليس مقام صلاح هادئ، بل مقام مواجهة للألم والخوف والذبح وفراق الحياة.
أما حين قال موسى عليه السلام:
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
فكان المقام مقام صحبة وأدب وتعلّم، لا مقام تضحية وفقد، فناسبه وصف الصلاح.
ثم يصل المشهد إلى اللحظة التي تتوقف عندها الكلمات:
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾
يا لها من آية تختصر بحرًا من المعاني.
لم يقل القرآن فلما أسلم إسماعيل، بل قال:
﴿أَسْلَمَا﴾
لأن في تلك اللحظة قلبين يُقدَّمان لله، لا قلبًا واحدًا.
كان إسماعيل يسلّم عنقه، وكان إبراهيم يسلّم قلبه.
وفي قوله تعالى:
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾
إشارة مؤثرة إلى شدة الصراع داخل قلب الأب؛ فكأن إبراهيم لم يرد أن يرى وجه ابنه حتى لا تمنعه عاطفة الأبوة من تنفيذ أمر الله.
إنها لحظة يلتقي فيها ضعف الإنسان بكمال العبودية.
أب يحب ابنه حتى آخر ذرة في قلبه، لكنه يحب الله أكثر.
وحين بلغ الصدق منتهاه، جاء النداء الرحيم من السماء:
﴿يَا إِبْرَاهِيمُ
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾
يا لها من شهادة عظيمة.
لم تكن شهادة بأن الرؤيا حق، بل شهادة بأن القلب كان صادقًا، وأن إبراهيم مضى في الطاعة حتى آخر خطوة.
وهنا يظهر السر الكبير:
ما كان الله يريد الدم، وإنما أراد قلبًا يسلّم له كل شيء.
فالابتلاء لا يكشف لله شيئًا، فهو سبحانه يعلم السر وما أخفى، لكنه يكشف للإنسان نفسه؛ ماذا يحب أكثر، وإلى من يتجه قلبه حين تأتي لحظة الاختبار.
ثم جاء الفرج:
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾
وفي لحظة واحدة تبدل المشهد كله؛ السكين التي اقتربت من عنق الابن، صارت بابًا لرحمة واسعة.
وهكذا يفعل الله بعباده الصادقين؛ إذا اكتمل التسليم نزل الفرج.
لقد جاء الفداء قبل وقوع الذبح، لأن الله لا يريد تعذيب عباده، وإنما يريد أن يبلغوا مقام الصدق.
وهكذا كانت حياة الأنبياء دائمًا؛ يبلغ البلاء منتهاه ثم يفتح الله باب الرحمة.
حين نفد الماء من هاجر خرج زمزم.
وحين ألقي إبراهيم في النار صارت بردًا وسلامًا.
وحين بلغ الذبح أقصاه جاء الفداء.
ورحمة الله قد تتأخر في نظر الإنسان، لكنها تأتي في اللحظة التي يعرف فيها القلب أنه لا ملجأ إلا الله.
ولهذا قال زكريا عليه السلام:
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
فمن عرف الله حق المعرفة، عرف أن وراء كل ابتلاء رحمة، ووراء كل منع عطاء، ووراء كل ألم حكمة لا يراها الإنسان أول الطريق.
ومن هنا نفهم لماذا وصف الله إبراهيم عليه السلام بقوله:
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾
لأن الصدق ليس كلمات تقال، بل لحظة يمتحن فيها القلب، ثم يختار الله على كل شيء.
وكذلك كان إسماعيل عليه السلام صادق الوعد؛ وعد بالصبر ثم وفّى، ووعد بالطاعة ثم ثبت.
وهكذا اجتمع في ذلك المشهد صدق الأب وصدق الابن؛ إبراهيم صدّق الرؤيا، وإسماعيل صدق الوعد.
ولهذا لم تبق القصة حادثة عابرة، بل تحولت إلى شعيرة تتكرر في حياة المسلمين كل عام، حتى لا ينسى الناس أن أعظم القربات ليست الذبائح، بل القلوب التي تعرف كيف تسلّم لله.
إن قصة الذبح العظيم ليست قصة موت نجا منه غلام، بل قصة قلبين تحررا من كل شيء إلا الله.
ومن هذا البيت الصغير خرجت أمة عظيمة؛ أب صادق، وأم مؤمنة، وابن مطيع، فصاروا أصلًا لرسالة التوحيد التي بقي نورها ممتدًا عبر القرون.
وهكذا تُبنى الأمم حقًا؛ لا بكثرة العدد وحدها، بل بسلامة القلوب، وصدق التربية، والإيمان الذي يجعل الإنسان يطيع الله حتى في أصعب اللحظات.
فإصلاح العالم يبدأ دائمًا من بيت صغير يعرف الله، ومن قلب يقدّم الطاعة على الهوى، ومن أسرة تبني أبناءها على الصدق والتسليم واليقين.

تعليقات
إرسال تعليق