بقلم: محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي
في عالم كرة القدم، تُبنى القلاع الرياضية وتُحصد البطولات بالصفقات المليونية، والاستقرار المالي، والميركاتو الصاخب الذي يملأ الدنيا ضجيجاً. لكن في ميت عقبة، قرر نادي الزمالك هذا الموسم أن يضرب بكل هذه القواعد الثابتة عرض الحائط، ليخطَّ بأقدام لاعبيه وعزيمة جماهيره ملحمة كروية ستظل محفورة في أذهان الأجيال كواحدة من أكبر مفاجآت الساحرة المستديرة.
أن تتوج بطلاً للدوري المصري الممتاز لموسم 2025-2026، فهذا إنجاز كبير. أما أن تتوج به والسيوف المسلطة على رقبة ناديك بلغت ثمانية عشر إيقافاً للقيد بأوامر صارمة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فهذا ليس مجرد فوز ببطولة.. هذا هو "الإعجاز" في أبهى صوره.
دراما ميت عقبة: عندما تحولت اللعنة إلى وقود!
دخل الزمالك هذا الموسم وهو محاصر بركام من الأزمات الإدارية والقضايا المالية الموروثة. ومع كل نافذة انتقالات تُغلق في وجهه، كان لسان حال المتابعين يقول: "انتهت رحلة المنافسة". لكن الإيقاف الثامن عشر للقيد لم يكن رصاصة الرحمة كما توقع البعض، بل تحول بمرور الوقت إلى "الوقود" الذي أشعل حماس القائمة الحالية.
حين حُرم النادي من جلب النجوم الجاهزة، فُتحت الأبواب لـ "أبناء النادي" الحقيقيين. رأينا توليفة عبقرية داخل المستطيل الأخضر امتزجت فيها خبرة الكبار وحماس الشباب المصعدين من قطاع الناشئين. أثبتت الكتيبة البيضاء أن قميص الزمالك ثقيل بمن يرتديه، وأن التكتيك المنضبط والروح القتالية قادران على تعويض أي غياب.
جدار عازل خلف الكواليس
لا يمكن أن نمر على هذا التتويج التاريخي دون الإشادة بالدور الذي لعبته الإدارة والجهاز الفني. النجاح الأكبر لم يكن فقط في رسم الخطط داخل الملعب، بل في بناء "جدار عازل" نجح في فصل اللاعبين تماماً عن صداع الفيفا ومطالبات الدائنين وردهات المحاكم الرياضية.
لقد نزل اللاعبون إلى أرض الملعب في كل جولة وشعارهم الوحيد: "الرد بالملعب". وكانت النتيجة صدارة نارية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، وتوجت بلقب رقم 15 في تاريخ النادي، بفارق نقطتين عن بيراميدز و3 نقاط عن الغريم التقليدي الأهلي.
الدرس المستفاد: الروح تهزم الملايين
إن تتويج الزمالك بهذا الدرع الاستثنائي يبعث برسالة واضحة لكل أندية القارة السمراء؛ البطولات تُشترى بالملخصات والتحضير، لكنها تُكسب بالانتماء والعزيمة. هذا الدوري سيبقى مسجلاً في التاريخ كشاهد على أن الأزمات لا تكسر الكبار، بل تعيد صياغة معدنهم الأصيل.
مبروك لمدرسة الفن والهندسة.. مبروك للجماهير الوفية التي كانت اللاعب رقم واحد في هذه الملحمة.. لقد أثبتم للعالم أن المستحيل ليس زملكاوياً.

تعليقات
إرسال تعليق