القائمة الرئيسية

الصفحات

 تطييب الخواطر لمن إنكسر قلبه


بقلم / محمـــد الدكـــروري

اعلموا أن من أفضل العبادات هي عبادة جبر الخواطر، ومن أجل ذلك قد أقرت الشريعة الإسلامية بالدية في قتل الخطأ وذلك لجبر نفوس أهل المجني عليه، وتطييبا لخواطرهم، كما قال ابن قدامه رحمه الله، وكان من توجيهات ربنا سبحانه وتعالي لنبيه المصطفي صلي الله عليه وسلم " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر" فكما كنت يتيما يا محمد، فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، وإصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذل النهر مع ذل السؤال، وهذا أدب إسلامي رفيع، وهذا مع المحتاجين، وليس مع المتحايلين الكذابين، عاتب الله نبيه لأنه أعرض عن الأعمى، وقد جاءه يستفيد، يسأل، يا رسول الله علمني مما علمك الله، وكان النبي صلي الله عليه وسلم منشغلا بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله تعالي. 


" عبس وتولي أن جاءه الأعمي وما يدريك لعله يزكي أو يذكر فتنفعه الذكري " وقال القرطبي في التفسير فعاتبه الله تعالي على ذلك لكي لا تنكسر قلوب أهل الإيمان، وإن تطييب الخواطر لمن إنكسر قلبه من مصيبة مثلا واضح جدا في السنة النبوية، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال لقيني رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لي يا جابر مالي أراك منكسرا، قلت يا رسول الله استشهد أبي أي قتل يوم أحد وترك عيالا ودينا أي أخوات ودين، وليس إلا جابر، فقال صلي الله عليه وسلم أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت بلى يا رسول الله، قال ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحا، فقال يا عبدي تمن عليّ أعطك، قال يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب سبحانه وتعالي " إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، فكان صلي الله عليه وسلم يطيّب خواطر هؤلاء الذين أثقل كاهلهم الدين، ولا يجدون ما يواجهون به مهمات الحياة ووظائفها كالزواج. 


وقيل أنه دخل رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال صلي الله عليه وسلم يا أبا أمامة، مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال صلي الله عليه وسلم أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله تعالي همك، وقضى عنك دينك، قلت بلى يا رسول الله؟ قال قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز، والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، قال أبو أمامة ففعلت ذلك، فأذهب الله تعالي همي وقضى عني ديني" إذن قد يكون تطييب الخاطر بدعاء يعلّمه ذلك المصاب، قد ينبغ في المسلمين نابغة، ويفي للحق غلام، ويكون صادقا في نقله، حريصا على مصلحة الإسلام، واعيا لمؤامرات المنافقين، لكن لا يكون له إثبات في نقله، أو مستند، وحجة في مواجهته لهؤلاء المنافقين وهو صغير السن.


فلا يؤخذ بقوله، بل يستنكر عليه فينكسر، فينزل الله قرآنا في تطييب نفس ذلك الغلام، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه لما سمع قول عبد الله بن أبي لأصحابه وكان بمعزل عن جيش المسلمين، ولم يأبهوا لذلك الغلام، فقال عبد الله المنافق لأصحابه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل "أبلغ زيد عمه، وأبلغ العم رسول الله صلي الله عليه وسلم كلمة خطيرة جدا، فأرسل رسول الله صلي الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي، جاء، وحلف، وجحد، قال زيد فصدقه رسول الله صلي الله عليه وسلم، وصار اللوم على زيد، كيف تنقل مثل هذا الكلام الخطير، أنت غلام لا تعلم ماذا يترتب على مثل هذا الكلام، قال زيد فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير قد خفقت برأسي من الهم، وهذا غلام انكسر قلبه وخاطره من جراء رد قوله، ولوم الناس له وهو صادق إذ أتاني رسول الله صلي الله عليه وسلم فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أني لي بها الخلد في الدنيا. 


وهو سبب نزول قول الله تعالى في سورة المنافقون " يقولون لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " فصدّق الله أذن الغلام وما قاله لرسول الله صلي الله عليه وسلم، فأنزل تصديقه في كتابه، وأنزل آيات إلى يوم الدين تتلى، شاهدة على البر والوفاء، وعلى الوعي، وسرعة تبليغ المصطفي صلي الله عليه وسلم بما حصل، وهذا من مقتضيات الإيمان في مواجهة أهل النفاق والكفران.


تعليقات